سكت ، ووقف شبه الحصر ، ولم يكن من عادته . فنظر الناس بعضهم ببعض ، لا يدرون ما عراه ، ولا ما أراد بقوله . ثمّ اندفع تاليا بقوله « 1 » .
سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 2 » استغفروا ربّكم ، وتوبوا « 3 » إليه ، وتزلّفوا « 4 » بالأعمال الصالحات « 5 » لديه » قال : فهاج « 6 » الناس بالبكاء ، وجأروا بالدعاء ، ومضى على تمام خطبته ؛ فقرع « 7 » النفوس بوعظه ، وانبعث الإخلاص بتذكيره ؛ فلم ينقض النهار حتى أرسل الله السماء بماء منهمر ، روّى الثّرى ، وطرد المحل ، وسكّن الأزل . واللّه لطيف بعباده !
وكان له « 8 » في خطب الاستسقاء استفتاح عجيب ؛ ومنه أن قال يوما ، وقد سرّح طرفه في ملإ الناس ، عندما شخصوا إليه بأبصارهم ؛ فهتف بهم كالمنادي :
يا أَيُّهَا النَّاسُ
- وكرّرها عليهم ، مشيرا بيده في نواحيهم -
أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
« 9 » فاشتدّ وجل « 10 » الناس ، وانطلقت أعينهم بالبكاء ، ومضى في خطبته .
ومن أخباره « 11 » المحفوظة مع الخليفة عبد الرحمن ، في إنكاره عليه الإسراف في البناء ، أنّ الناصر كان قد « 12 » اتّخذ ، لسقف القبيبة ( المصغّرة الاسم للخصوصيّة )
هامش
( 1 ) في نفح الطيب : « يا أيها الناس ، سلام عليكم » . . .
( 2 ) سورة الأنعام 6 ، الآية : 54 .
( 3 ) في نفح الطيب : « ثم توبوا » .
( 4 ) في الأصول : « وتزلفو » .
( 5 ) في نفح الطيب : « الصالحة » .
( 6 ) في الروض المعطار ونفح الطيب : « فضجّ » .
( 7 ) في نفح الطيب : « ففزّع » .
( 8 ) انظر نفح الطيب ( ج 1 ص 572 - 573 ) .
( 9 ) سورة فاطر 35 ، الآيات 15 ، 16 ، 17 .
( 10 ) في نفح الطيب : « وجد » .
( 11 ) انظر الروض المعطار ( ص 95 ) ونفح الطيب ( ج 1 ص 573 - 574 ) .
( 12 ) كلمة « قد » ساقطة من نفح الطيب .