وتعاورته المحن . فخرج إلى العدوة الغربيّة ، في قصص طويلة ، وأقام هنالك وقتا .
ثمّ رحل إلى الأندلس ؛ فاستقرّ منها بمالقة . ومن أسباب انحياشه إليها ، المواصلة القديمة التي كانت بين سلفه ، وبين بني الحسن من أهلها ؛ فأقام بها إلى أن توفي - عفا اللّه عنّا وعنه .
وذكره ابن الزّبير ، في باب « أحمد » من حرف الألف ، وقال فيه ما حاصله :
روى عن سلفه ، وأهل بلده ؛ وولي قضاء الجماعة . وكان ذا رواية ، ودراية ، وعناية بالعلم . وبويع له ، فما استقامت له حال ، ولا رضي منه ذلك الانتحال ، إلى أن استقرّ بمالقة تحت إيّالة غيره ؛ فتوفي بها سنة 547 . وبعد وفاته أخرج من قبره ، وصلب في اثني عشر رجلا من أصحابه .
وسمّاه أبو عبد اللّه بن عسكر في تأريخه ، وذكر نبذا من أخباره ، وأنه كان يحدّث في صغره ، بما يؤول إليه أمره في كبره . ووصف كيفيّة إخراجه من قبره ، وصلبه بمالقة ، إثر الاستيلاء على رئيسها أبي الحكم بن حسّون وقتله ، وإنّه لم يكن له عقب ، وبقي عقب أخيه . قال المؤلّف - أبقى اللّه بركته - : وعند الفتنة الأشقيلوليّة ، انتقل من بقي من بني حمدين من مالقة ، فاستقرّوا بمدية سلا من العدوة الغربيّة - حاطها اللّه تعالى - وأعقابهم بها حتى الآن ، تحت عناية ورعاية . فسبحان مدبّر الأمور ، ومداول الأيّام والشهور !
ذكر القاضي أبي محمد عبد اللّه الوحيديّ
ومنهم ، الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن عمر بن أحمد الوحيديّ ، أحد أعلام زمانه جلالة ، وجزالة ، ونباهة ، ووجاهة ، ولي القضاء بريّة سنة 531 ، فقام بأعبائه أجمل قيام ، فذهب إلى انتفاء الشهود ، والتسوية في الأحكام بين الشريف والمشروف ، وأخذ في تجديد ما كان قد درس من رسم الأحباس ، وتحفّظ من جميع الناس . واستمرّت ولايته مدّة من نحو ثمانية عشر عاما . ثم استشعر من نفسه قصور ملالة ، وفتور شاخة ؛ فآلى إلى الزهادة ، وقبض يده عن أخذ الجراية المعتادة لأمثاله