راجعا إلى بلده ؛ فولي القضاء به . وكان فقيها نزيها ، عدلا ، جزلا . وبقي قاضيا إلى أن توفي في شهر رجب عام 543 . ذكره ابن الزّبير وابن عبد الملك .
ذكر القاضي أبي عبد اللّه محمد بن الحاجّ « 1 »
ومنهم ، محمد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم التّجيبيّ ، المعروف بابن الحاجّ ، قاضي الجماعة بقرطبة ؛ يكنى أبا عبد اللّه . روى عن أبي جعفر أحمد بن رزق الفقيه ، وتفقّه عنده ؛ وقيّد الغريب واللّغة والأدب عن أبي مروان عبد الملك بن سراج ، وسمع من أبي عبد اللّه محمد بن فرج الفقيه ، ومن أبي عليّ الغسّانيّ وغيرهم . وكان من جلّة الفقهاء ، وكبار العلماء ، معدودا في المحدّثين والأدباء ، بصيرا بالفتيا ، راسما في الشورى ؛ وكانت الفتوى في وقته تدور عليه ، لمعرفته ، وثقته ، وديانته .
وكان معتنيا بالحديث والآثار ، جامعا لها ، مقيّدا لما أشكل من معانيها ، ضابطا لأسماء رجالها ورواتها ، ذاكرا للغريب والأنساب واللّغة والإعراب ، وعالما بمعاني الأشعار والسير والأخبار . قال ابن بشكوال : قيّد العلم عمره كلّه ، وعني به عناية كاملة ؛ ما أعلم أحدا في وقته عني كعنايته . قرأت عليه ، وسمعت ، وأجاز لي بخطه .
وكان له مجلس بالجامع « 2 » بقرطبة ، يسمع الناس فيه . وتقلّد القضاء بقرطبة مرّتين ، وكان في ذاته ليّنا ، صابرا ، طاهرا ، حليما ، متواضعا ، لم يحفظ له جور في قضيّة ، ولا ميل بهواة « 3 » ، ولا إصغاء « 4 » إلى عناية . وكان كثير الخشوع والذكر « 5 » للّه تعالى .
ولم يزل ، آخر عمره « 6 » ، يتولّى القضاء بقرطبة ، إلى أن قتل ظلما بالمسجد الجامع بقرطبة ، يوم الجمعة ، وهو ساجد لأربع بقين من صفر من سنة 529 . ومولده في صفر سنة 458 . وكتابه في نوازل الأحكام ، المتداول لهذا العهد بأيدي الناس ، من الدلائل على تقدّمه في المعارف وبراعته - تغمّدنا وإيّاه برحمته .
هامش
( 1 ) ترجمة ابن الحاج في الصلة ( ص 844 - 845 ) وأزهار الرياض ( ج 3 ص 61 ) .
( 2 ) في الصلة ( ص 844 ) : « مجلس بالمسجد الجامع بقرطبة » .
( 3 ) في الصلة : « بهوادة » .
( 4 ) في الصلة : « ولا أصغى » .
( 5 ) في الصلة : « لذكر » .
( 6 ) في الصلة ( ص 845 ) : « آخر مدته » .