النّاس قدرا من لا يرى قدره ، وأكثرهم فضلا من لا يرى فضله . وقال : الشّفاعات زكاة المروءات . وقال : إذا كثرت الحوائج فابدأ بأهمّها . وقال : من كتم سرّه كانت الخيرة في يده . وهذه نبذة مختصرة محذوفة الأسانيد لتخفّ على السّماع ، واللّه أعلم .
ومن معرفته بالفراسة ما تقدّم من خبر الذي ضيّفه لمّا رجع من اليمن ، وما جرى له معه ، ووافق ما تفرّس فيه الشّافعي .
وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا الرّبيع بن سليمان قال : اشتريت للشّافعي ظبيا بدينار ، فقال لي : ممّن اشتريته ؟ ، فقلت : من ذلك الأشقر الأزرق ، قال : أشقر أزرق ، ردّه ردّه ، ما جاءني خير قطّ من أشقر . قال : وأخبرني أبي ، حدّثنا حرملة ابن يحيى قال : سمعت الشّافعي يقول : احذر الأعور والأحول والأحدب والأشقر والكوسج وكلّ من به عاهة في يديه وكلّ ناقص الخلق فاحذره فإنّه صاحب التواء ومعاملة عسرة . وقال الشّافعي : فإنّهم أصحاب خبث .
قال ابن أبي حاتم : إنّما يعني إذا كانت ولادتهم بهذه الحالة ، فأمّا من حدثت فيه هذه العلل ، وكان في الأصل صحيح التّركيب لم تضرّ مخالطته .
وقال ابن عساكر : أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلّم أخبرنا أبو نصر الخطيب حدّثنا أبو بكر ابن أبي الحديد حدّثنا محمّد بن بشر الزّبيري سمعت الرّبيع يقول : كنت عند الشّافعي أنا والمزني وأبو يعقوب البويطي فنظر إلينا وقال لي :
أنت تموت في الحديد ، وقال للمزني : هذا لو ناظره الشّيطان قطعه وخذله ، وقال للبويطي : أنت تموت في الحديد . قال الرّبيع : فدخلت على البويطي أيّام المحنة فرأيته مقيّدا إلى أنصاف ساقيه مغلولة يديه إلى عنقه . قال : وسمعت الرّبيع يقول :
كنت في الحلقة إذ جاءه يعني الشّافعي رجل يسأله عن مسألة فقال له الشّافعي :
أنت نسّاخ ، فقال : عندي أجزاء .
وقد روي عنه أشياء تدلّ على تبحّره في علم الطبّ ، فعنه أنّه قال : عجبت لمن يدخل الحمّام ثمّ لا يأكل من ساعته كيف يعيش ، وعجبا لمن يحتجم ثمّ يأكل من ساعته كيف يعيش . وقال : من أكل الأترج ثمّ نام لم آمن أن تصيبه ذبحة .
وعنه قال : ثلاثة أشياء دواء من لا دواء له وأعيت الأطبّاء مداواته : العنب ولبن اللّقاح وقصب السكّر ، ولولا قصب السكّر ما أقمت ببلدكم . رواه الرّبيع
طبقات الشافعية — صفحة 62
مساهمون: ابن كثير
ص٦٢