مالاي هست قرية بمرو ، فعلم أنّي راطنت صاحبي بشيء هجنته فيه ، فقال لي :
أتناظر ؟ ، فقلت : وللمناظرة جئت ، قال : قال اللّه تعالى :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
« 41 » ، أنسب الدّيار إلى مالكيها أم إلى غير مالكيها ؟ ، وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن » . « 42 » وقال : هل ترك لنا عقيل من رباع ، أنسب الدّيار إلى أربابها أو إلى غير أربابها ؟ .
وقال لي : اشترى عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه دار السّجن بمكّة من مالك أو غير مالك ، فلمّا علمت أنّ الحجّة قد لزمتني قمت . قلت : هذه المسألة تناظر فيها الشّافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف من منى أيّام الموسم ، وأظنّ ذلك في سنة ستّ وتسعين ومائة ، وذلك بحضرة أحمد بن حنبل ، وهو الرّجل الذي راطنه إسحاق بن راهويه واللّه أعلم ، فذهب الشّافعي رضي اللّه عنه إلى أنّ دور مكّة ورباعها تباع وتورّث وتؤجّر . واحتجّ على ذلك بما ذكره من الآية والأحاديث .
واحتجّ إسحاق بن راهويه على أنّها لا تباع ولا تورّث ولا تؤجّر بحديث : « إنّما كانت تدعى رباع مكّة ودورها السّوائب ، من احتاج سكن ، ومن استغنى أسكن » .
وتوسّط الإمام أحمد في المسألة فعمل بمقتضى الدّليلين ، فقال : تباع وتورّث ولا تؤجّر ، واللّه أعلم .
وقال الزّبير « 43 » بن عبد الواحد الاستراباذي : سمعت إبراهيم بن الحسن الصّوفي يقول : سمعت حرملة يقول : سمعت الشّافعي يقول : ما حلفت باللّه صادقا أو كاذبا .
وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا الرّبيع قال : قال الشّافعي رضي اللّه عنه : ما شبعت منذ ستّ عشرة سنة إلّا شبعة أطرحها ، يعني فطرحتها ، لأنّ الشّبع يثقل البدن ، ويغشي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النّوم ويضعف صاحبه من العبادة .
قال : وأخبرني أبو محمّد البستي السّجستاني نزيل مكّة فيما كتب إليّ ، حدّثني الحارث ابن سريج قال : دخلت مع الشّافعي رضي اللّه عنه على خادم الرّشيد وهو في بيت قد فرش بالدّيباج فلمّا وضع الشّافعي رجله على العتبة أبصره
هامش
( 41 ) الآية وردت في موضعين سورة الحجّ ، وفي سورة الحشر .
( 42 ) رواه مسلم في كتاب الجهاد .
( 43 ) أبو عبد اللّه ، محدّث حافظ ، صنّف الشّيوخ والأبواب توفّي سنة 347 ه . كحالة 4 / 180 .