ولو شاهد القفّال يوما دروسه * لما كان يوما عن حماه بقافل
ترنّم في أمداحه كلّ صادق * فأطرب في إنشادها سمع ذاهل
سأبكيه بالدّرّين دمع ومنطق * لبحرين من علم وبرّ حواصل
لقد هجرت صاد المناصب نفسه * كما هجرت راء الهجا نفس واصل
تنزّه عنها وهي لا تستفزّه * بزخرفها الخدّاع خدع المجامل
وما مدّ عينا نحوها إذ تبرّجت * تبرّج حسناء الحلى في الغلائل
ويلقاك بالترحيب والبشر دائما * فلم تره إلّا كريم الشمائل
صفت منه أخلاق لقاصده كما * صفا منه للعافين شرب المناهل
أعزّى محاريب العلا بإمامها * وإن كان مأموما بأعظم نازل
أعزّى دروس الفقه بعد دروسها * لتصديرهمّ من بعده كلّ خامل
فقل لحسود لا يسدّ مكانه * سيفضحك التخجيل بين المحافل
بحقّ حوى عبد الرّحيم سيادة * وأعداؤها كم حاولوها بباطل
تطاول قوم كي يحلّوا محلّه * فما ظفروا ممّا تمنّوا بطائل
أتمتدّ نحو النجم راحة قاصر * وأين الثّريا من يد المتناول !
ومن رام في الإقراء إلي شأنه * فذلك عند النّاس ليس بعاقل
أحلّ جمال الدين في الخلد ربّه * ليحظى بعفو منه شاف وشامل
وروّاه مولاه الرّحيم برحمة * يحييه منها هاطل بعد هاطل
ووافاه رضوان الجنان مبادرا * بشيرا برضوان سريع معاجل
وحيّاه بالرّيحان والرّوح والرّضا * إله البرايا في الضّحى والأصائل
لقد كان في الأعمال والعلم مخلصا * لمن لم يضيّع في غد سعي عامل
فلهفي لأمداح عليه تحوّلت * مراثي تبكى بالدموع الهوامل
يساعدني فيه الحمام بشجوها * وأغلبها من لوعتي بالبلابل
صرفت عليه كنز صبري وأدمعي * فأفنيت من هذا وهذا حواصلي
سأنشد قبرا حلّ فيه رثاءه * وأسمع ما أمليه صمّ الجنادل
وما نحن إلا ركب موت إلى البلى * تسيّرنا أيّامنا كالرّواحل
قطعنا إلى نحو القبور مراحلا * وما بقيت إلّا أقلّ المراحل
وهذا سبيل العالمين جميعهم * فما النّاس إلّا راحل بعد راحل
طبقات الشافعية — صفحة 12
مساهمون: كمال يوسف الحوت
ص١٢