وأنشأ في دمشق جماعة من الأمراء وغيرهم من العشرات والمقدّمين والأجناد ، وقضاة القضاة والمدرسين والفقهاء والكتّاب ، والموقعين في الدّست ، وكتّاب الإنشاء ، وغيرهم من أرباب السيوف والأقلام . ومن نواب حمص وبعلبك وغيرهم . وعم النّاس بالإنعام والإحسان والمكارم ، وأحسن السياسة أوّل قدومه [ 226 ب ] إلى دمشق في أمراء العرب ( حرم ) « 1 » وغيرهم المفسدين بغزة والساحل .
وأحضرهم وخلع عليهم ، طيّب خواطرهم ، وكتب إلى السلطان وطلب لهم الإقطاعات ، فجاءت المناشر بذلك ، واستقر أمرهم على السّداد ، وخلّص الناس من شرّهم ، وعدوانهم وأذاهم ، ولم يزل مقيما في دمشق والناس معه ، في نوم ملء عيونهم ، وسرور ملء صدورهم ، إلى أن رسم له بالتوجّه إلى حلب ثانيا ، فتوجّه إليها في بكرة السبت سادس عشر جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وسبعمائة .
وسار عنها وفي أحشائها لهب * على فراق معاليه ورأفته
ولما دخل إلى حلب أحسن إلى أهلها ، وأبدلها المعارف من جهلها ، ولم يقبل لأحد من أمرائها ، ولا من أرباب وظائفها ، ولا من نواب الحصون التي لها شيئا جلّ ولا قلّ ، ولنوابها عوائد بذلك « 2 » .
وكتبت أنا السرّ الشريف بين يديه « 3 » ، وكنت من أحظى الناس لديه ، غمرني بإحسانه ، وجبرني بامتنانه ، ولما خرج من حلب عائدا إلى دمشق [ 227 جهنىّ ] ، خلع على مقدمي ألوفها ، وعلى أرباب الوظائف من أرباب السلاح والأقلام ، وشملهم الإنعام ، وتوجّه منها والقلوب دامية ، والجفون هامية ، وقالوا :
إنما أنت ربيع زاهر * حيثما صرّفه اللّه انصرف
هامش
( 1 ) غير واضحة في الأصل .
( 2 ) أي من عاداتهم الدفع والإهداء .
( 3 ) كتابة السر بحلب إحدى الوظائف التي تقلدها الصفدي مؤلف هذا الكتاب . انظر المقدمة .
وكاتب السر : هو رئيس ديوان الإنشاء .