تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
الدين أرقطاي في شهور سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، فدخل إليه ، وطلب الخلوة به ، فقال له : أحضر لي صائغا خلوة ، فلما حضر قال له : قصّ من هذه النحاسة التي معك شيئا ، فقصّ ذلك قدرا زنته أربعة خمسة دراهم ، ووضعها في البوتقة ، ولما ذابت ألقى عليها شيئا مما معه مثل الذّرود ، فصارت فضة حجر ليس فيها ريبة ولا شبهة ، فقال النائب للصائغ : ما تقول في هذه ؟ فقال : هذه فضة حجر طلغم ليس فيها شيء ، فأطلعه إلى القلعة واعتقله بها ، وبقي خائفا من الأمير سيف الدين تنكز لا هو الذي يخرجه من الاعتقال ، ولا هو الذي يتمكّن منه ؛ ليعمل له الذي توهّمه فيه ، ولم يزل يوسف معتقلا بقلعة صفد إلى أن كتب ذلك قصّة ، وجهّزها في سنة ثلاثين وسبعمائة ، أو ما قبلها إلى تنكز ، وطلب فيها الحضور ، فأحضره تنكز من صفد ، ودخل إليه ، وعمل بين يديه كما عمل قدّام نائب صفد ، وكان تنكز سعيد الحركات والآراء ، فقال له : أحقّ ما عملت هذه الصنعة بين يدي مولانا السلطان ، فكتي مطالعة بصورة الحال ، وجهّزه تحت الترسيم إلى السلطان الملك الناصر ، فدخل إليه ، وعمل ذلك العمل أيضا ، فطار عقل السلطان به ، وقال له : أنا أعمل الذهب أيضا . وبقي عند السلطان ينام في المرقد ، ويركب من خيل النّوبة ، وينزل إلى القاهرة ، وأوهم الناس ، وأخذ منهم الذهب ، ومن بكتمر الساقي ، ومن الخدّام شيئا كثيرا من الذهب ، وصار يقول لهم : كل من أحضر لي خمسمائة دينار أخذها خمسة آلاف ، فطمع الناس ، وأعطوه ذهبا كثيرا ، وهو يأخذ الجميع ، ويدكّه في الفحم ، ويحرّك به البوتقة ، ويفرّغ ذلك ذهبا أحمر لا مرية فيه : ( البسيط ) .
أعيا الفلاسفة الماضين في الحقب * أن يصنعوا ذهبا إلا من الذّهب أو يصنعوا فضّة بيضاء خالصة * إلا من الفضّة المعروفة النّسب
وبلغ في أمره أن كان السلطان يطلب له الخمر من الأقباط ، ويشربه قدّامه ، ويقول له : يا خوند ، ما أقدر على الزئبق ورائحته إلا بهذا ، وكان يحتمل له السلطان هذا مع كراهيته في الخمر ، وشرع يدافعه من وقت إلى وقت ، إلى أن قال له : هذا يريد حشيشة ما رأيتها إلا في جبال الكرك ، فجهّزه تحت الترسيم على خيل البريد إلى الكرك ، ولو قدر هناك على الهروب هرب ، لكن الترسيم الذي عليه احتفظوا به ، وأحضروه . ثم إنه هرب من القاهرة ، وتطلّبه السلطان ، وأمسك أناسا ضمنوه ، وقتلهم بالمقارع ، وبالغ في طلبه إلى أن أمسك في الصعيد ، وأحضر إلى السلطان في أواخر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ، فسلّمه إلى والي القاهرة ، فقتله من بعد صلاة الجمعة إلى المغرب ألف شيب ، فأصبح وقد ، ورم جسده جميعه ، وسمّر على جمل وطيف به وهلك ، والذي