ربّيت فيما مضى من دهرنا دولا * من غير عجز ولا كبر ولا تيه
وكم وصلت لمن قد بات ملتجئا * إليك رزقا رآه لا يواتيه
يجنى عليك ولم تظهر مؤاخذة * لأجل ذلك تعلو من تناويه
وما برحت عظيم القدر ذا شرف * عند المليك الّذي جلّت أياديه
وقد مضيت إلى اللّه الكريم وما * يضيع مثلك ضيفا عند باريه
قدمت في مثل شهر الصّوم حضرته * بشراك بشراك خير بتّ تجنيه
فقرّ عينا بمن خلّفت من ولد * فإنّ حقّك كلّ النّاس يدريه
ولم يمت من بنوه سادة نجب * كلّ على حدة يحيي معاليه
لا سيّما وعلاء الدّين ثالثهم * يفوه بالمسك من أضحى يسمّيه
كفاية ووقار في رسوخ نهى * فما أرى أحدا في ذا يوفّيه
أمّا الكتابة فاسأل كلّ يانعة * من الحدائق إن كانت تحاكيه
أو العبارة فاسأل كلّ بارقة * من الدّياجر إن كانت تجاريه
أو التّرسّل فاسأل كلّ هاطلة * من السّحائب إن كانت تباريه
نظم كأنّ سلاف الدّنّ شعشعها * فينا ضحى وأدارتها قوافيه
وكلّ سجع لو أنّ البحر يعرف ما * يأتي به لاستحت منه لآليه
يا من سردت معانيه وأقسم ما * تدري اللّيالي له مثلا فتحويه
اصبر على فقد مولى كلّ ذي أدب * إن كان ينصف لا ترقا مآقيه
وسلم الأمر في هذا لخالقه * تنل من اللّه ما تغدو ترجّيه
فأنت أولى بصبر القلب في حزن * ما غير فضلك فينا من يعانيه
ولم أر فيمن عاصرته من كتب النسخ ، وخرّج التخاريج والحواشي أحلى ، ولا أظرف ولا آنق من القاضي محيي الدين بن فضل اللّه ، ومن الشيخ فتح الدين بن سيد الناس نعم ، والقاضي جمال الدين إبراهيم ابن شيخنا شهاب الدين محمود ، ولكن القاضي محيي الدين ، رعشت يده في آخر عمره ، وارتجت كتابته أخيرا ، ورأيت بخطه المثل السائر والوشي المرقوم ، وهما في غاية الحسن .
وأول ما كتب الإنشاء بدمشق في أيام أخيه القاضي شرف الدين عبد الوهاب سنة إحدى وستين وستمائة ، ثم إنه جهّزه إلى حمص ، فأقام بها سنتين ، ونقل إلى دمشق ، فأقام