طيره ، وكتب الخطّ الذي تودّ الرياض لو كانت أوراقه ، والعقود لو نظمت مثل سطره في حسن اللباقة ، ما أعتقد أنه خدم الترك مثله ، ولا نبت في وادي أغراضهم إلا بأنه وأثله ، قد درب مقاصدهم وألفها ، وفرّع مرامي مراميهم وعرفها ، طال عمره في السعادة ، وخدمته في آخر عمره بالحسنى وزيادة .
وكان يرعى حقّ من خدمه ، ويعلي كعب صاحبه وقدمه ، ولم يكن فيه لأحد أذى ، ولا رأى غيره من عينه قذى ، منجمع عن الناس ، لا يجتمع بأحد في مآتم ولا أعراس ، شغله بخويصة نفسه ، والاعتزال عن أبناء جنسه ، وكان شديد الحزم ، مديد الهمّة والعزم :
( المنسرح )
لا يقرع السّنّ للفوات ولا * يعضّ حرّ البنان من ندمه
يقلّ قدر الأنام عنه كما * يصغر جنب الزّمان في عظمه
ولم يزل على حاله إلى أن انهار به جرفه ، وتهدّم من عمره شرفه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في الثامن من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بالقاهرة ، ودفن بالقرافة ، وكانت جنازة عظيمة ، ثم إنه نقل تابوته إلى دمشق ، ودفن بتربتهم التي في الصالحية في شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وسبعمائة .
ومولده سنة خمس وأربعين وستمائة .
وكتبت أنا إلى ولده القاضي علاء الدين كاتب السر أرثيه بقصيدة ، وهي : ( البسيط )
يا قاصد الفضل عد قد مات محييه * وغاب من كان بين النّاس يبديه
وأوحش الدّست ذاك الصّدر حين مضى * فطالما كانت الأسرار تأويه
كم دبّر الملك بالآراء فامتنعت * ثغوره وحماه من أعاديه
ورفة السّمر والبيض الصّفاح فما اح * تاج الشّجاع لأن تجري مذاكيه
وكم كتاب له أردى الكتائب لم * ما بات في ساحة الدّيوان يمليه
مهما نسيت فما أنسى توجّعه * لي من زماني إذ خانت لياليه
ولطفه كلّما وافيت مجلسه * كأنّما نسمات الرّوض لي فيه
يا ذاهبا ترك الأسماع من حزن * تودّ لو أنّها صمّت لناعيه
ومن مضى والورى تدري محاسنه * حتّى لقد شكر اللّه مساعيه
أقسمت ما خدم الأملاك مثلك في * سرّ تبيت من الأعداء تراعيه
ولا يوفّي الأمور الباهظات إذا * ما أظلم الرّشد حقّا أنت تدريه