أن أمسك القاضي قطب الدين ناظر الجيش بالشام في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، فحضر القاضي معين الدين عوضه في نظر الجيش بالشام ، ووصل إلى دمشق خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، فانفرد بذلك قليلا ، ثم إنه شورك بينهما في النظر بمعلوم ، لكل منهما نظير الأصل ، وكان القاضي قطب الدين هو الأكبر ، والعلامة له أولا ، ولم يزل بدمشق إلى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة .
ولما عزم القاضي فخر الدين على الحجاز طلب السلطان معين الدين ؛ ليسد الوظيفة في الجيش عن القاضي فخر الدين ، فأقام بالديار المصرية ، إلى أن مات في التاريخ .
وكان يكتب خطا قويا ، ولا بد له إذا كتب اسمه هبة اللّه بن حشيش أن ينقط الشين ؛ خوفا من التصحيف ، اجتمعت به في دمشق ، وفي مصر مرات ، وأنشدني له كثيرا ، ومما أنشدني له شيخنا علم الدين البرزالي إجازة قوله : ( البسيط )
طيف ألمّ وطرف الهمّ وسنان * وناظر لارتقاب الوصل يقظان
سرى وموكبه شوقي وموطنه * خدّي وذلكما طرف وميدان
حتّى تضمّنه الطّرف الشّهيد وقد * غطّى شهيد الكرى للدّمع طوفان
فلم يزل دون تقويم يمتّعنا * بالوصل زورا وطرف النّجم سهران
فكم تلقّى بصدري فرحة فرشت * له السّرائر فالأحشاء أوطان
إذا تمشّى إلى جرح الجوارح يأ * سوه فكم طفئت للوجد نيران
فشقّ باللّطف عن قلبي وعزّل عن * ه ما يشقّ فقلبي اليوم فرحان
وراح يخلع جلباب السّرور على * وقتي وقد مرّ دهر وهو عريان
أهلا به من خيال عاد لي أملي * به وعاودني روح وريحان
فالعيش رغد ودار الأنس دانية * وجيرة الحيّ بعد الهجر جيران
ورقبة البدر سهد والمنى حلم * تحلو لنا ومغاني الحيّ أوطان
فهذه منح الطّيف الملمّ بنا * سرّا فليت بواقي السرّ إعلان
وكتب من طرابلس إلى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم : ( الطويل )
خيالك لمّا بان ركبك ما بانا * لأنّ له في ناظر العين أوطانا
إذا ما اشتكى قلبي لهيب غرامه * لدمع يجاريه تأجّج نيرانا
نعمت بما ترضون لي يا أحبّتي * ولم أخش أشواقا إليكم وهجرانا