سافر إلى الحجاز والعراق ، واجتمع بياقوت المجود « 1 » .
كان تام الشكل ، متأنّقا في اللبس والأكل ، حسن البزة لدن المهزة ، موصوفا بالشجاعة ، وبالعبارة السادة والبراعة ، يتكلم بعدة ألسن ، ويأتي فيها بما يروق ويحسن ، وقد ضرب بحسن كتابته المثل ، وسار ذكرها في السهل والجبل ؛ لأنها أخملت زهرات الخمائل ، وفاقت على من تقدّمه الأوائل ، فلو رآه ابن البواب لجوّد تحت مثاله ، وعلم أن بدر هذا فاق على هلاله ، أو ابن مقلة شخص إليه إنسانه ، وعلم أنه ما تلحق إجادته ولا حسانه ، أو الولي التبريزي لتحقق أنه قد برز وسبقه ، وأنه ما يشم ريحانه ولا محققه .
وكان قد فضح الأوائل والأواخر بفصاح نسجه ، وتفرّد هو بكمال الخط ، وترك غيره يخبط في مسخه ، فما أحقّه بقول البستي « 2 » : ( البسيط )
إن هزّ أقلامه يوما ليعملها * أنساك كلّ كميّ هزّ عامله
وإن أقرّ على رقّ أنامله * أقرّ بالرّقّ كتّاب الأنام له
أما أنا فلا أرى أحدا مثله كتب في المحقق والريحان وفصاح النسخ ؛ لأنه أتى في ذلك بالإبداع .
وكان في حياته يبيع المصحف نسخا بلا تجليد ولا تذهيب بألف درهم ، وكان ابن تمام « 3 » قد كتب عليه ، وحكى طريقه ، وكان يكتب المصاحف ، فيقول له : اكتب أنت المصحف ، وهاته إليّ ، فإذا أتى به يزن له أربعمائة درهم ، ويأخذ الشيخ شرف الدين ، فيكتب في آخره : كتبه محمّد بن الوحيد ، ويبيعه هو بألف درهم ، وروى عنه البرزالي ، وقاضي القضاة جلال الدين القزويني .
ولم يزل على حاله ، إلى أن أصبح ابن الوحيد في قبره وحيدا ، وفقد الناس منه كاتبا فريدا ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في البيمارستان المنصوري بالقاهرة في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة إحدى عشرة وسبعمائة .
ومولده بدمشق سنة سبع وأربعين وستمائة .
وكان يتكلم بعدة ألسن ، وكان يتّهم في دينه ، قيل : إنه وضع الخمر في دواته ، وكتب
هامش
( 1 ) ياقوت المجود هو : ياقوت بن عبد اللّه المستعصمي الرومي ، توفي سنة 689 ه . ( انظر : وفيات الأعيان : 6 / 122 ) .
( 2 ) البستي هو : علي بن محمد بن الحسين ، توفي سنة 400 ه . ( انظر وفيات الأعيان : 3 / 376 ) .
( 3 ) ابن تمام هو : محمد بن أحمد بن تمام بن السراج ، توفي سنة 749 ه . ( انظر : الدرر الكامنة : 3 / 312 ) .