من طاقة على مثلها في بابها ، وتنزّه في حدائقها التي ضربت عليها أوراق الأوراق ، واجتلى أبكارها الغر ، فكانت حقيقة فتنة العشاق ، فسرحت سوام الطرف فيما أرضاه من روضاتها ، ورشفت قطر البلاغة مما زهي من زهراتها : ( الكامل )
وتشنّفت أذني بلؤلؤ لفظها * وتنزّهت عيناي في جنّاتها
وتأمّلت أفهامنا فتمايلت * بترشّف الصّهباء من كاساتها
وكأنّ همز سطورها بطروسها * ورق على الأغصان من ألفاتها
وكأنّها وجنات غيد نقطها * خال على الأصداغ من جيماتها
للّه ما أطرى ، وأطرب ما أتى * في هذه الأوراق من سجعاتها
لا غرو أن عقدت لسان أولي النّهى * عن مثلها بالسّحر من كلماتها
فكتب هو إلي : ( الكامل )
شرّفت غرس الدّين حين قرأت ما * أمليت من خطب أجدت شياتها
وفصاحة لو أنّ قسّا « 1 » حاضر * لرءاك تسبقه إلى غاياتها
يا فخر دهر أنت من بلغائه * وعلا ليال أنت من ساداتها
عظّمتها ، وبررتها ، وجبرتها * وغفرت ما قد كان من زلّاتها
فلأنت أكرم فاضل لمّا بدت * لعيانه غطّى على عوراتها
فاسلم ، ودم ما رنحت ريح الصّبا * أعطاف غصن الرّوض في هبّاتها
وأنشدني لنفسه في شبابة ، وقد وجدتها فيما بعد في ديوان جوبان القواس بخطه :
( الوافر )
وناطقة بأفواه ثمان * تميل بعقل ذي اللّبّ العفيف
لكلّ فم لسان مستعار * يخالف بين تقطيع الحروف
هامش
( 1 ) قس بن ساعدة : بن عمرو بن عدي بن مالك أحد حكماء العرب ، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية ، كان أسقف نجران ، ويقال إنه أول عربي خطب متوكئا على سيف أو عصا . وأول من قال في كلامه « أما بعد » وكان يغد على قيصر الروم زائرا فيكرمه ويعظمه ، وهو معدود في المعمرين قال عنه النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم « يحشر أمة وحده » توفي نحو 23 ق . ه ( انظر : البيان والتبين 1 / 27 والأغاني : 14 / 40 ، وعيون الأثر : 1 / 68 ) .