ثم أعيد إليهما ، وولي قضاء العساكر بالقاهرة أيضا ، ولما تولى علم الدين بن زنبور الوزارة ، عزله من وظائفه ، ثم إنه أعيد إليها ، ثم عزل أخيرا من البيمارستان .
وبقي على الحسبة وقضاء العساكر ، إلى أن ورد الخبر إلى دمشق بوفاته - رحمه اللّه تعالى - ، وصلّى عليه بالجامع الأموي صلاة الغائب يوم الجمعة العاشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة ، وكانت وفاته بالقاهرة يوم الأحد مستهلّ جمادى الآخرة .
وكان - رحمه اللّه - فيه خدمة للناس ورعاية لأصحابه ، ومكارم لمن يصحبه .
أول ما عرفت من أمره ، أنه تعلق على صحبة الأمير علم الدين سنجر الجاولي ، وتمارض في وقت ، وسعى مع أصحابه في أن يعوده الجاولي ، فجاء إليه ، وعاده ، فطار هذا الخبر في القاهرة ، فتشبّه الناس بالجاولي ، وعاده الكبار من أرباب السيوف والطيالس .
ولم يزل بعد وفاة السلطان الملك الناصر يسعى مع أمراء الدولة ، إلى أن ولي حسبة دمشق كما تقدم ، وكان من رجالات العالم في السعي ، وحفظ المودة والرعي ، لا يملّ من المشاكلة للأكابر ، والتردد إليهم إن كانوا أرباب سيوف أو محابر ، والتودد إلى من حولهم ، والتعهد إلى من يسمع قولهم ، ولا يزال يداخلهم بكل صنف يميلون إليه ، وينازلهم في كل مربع ينزلون عليه ، حتى يخلب قلوبهم بخدمه ، ويثبت لديهم رسوخ قدمه ، فحينئذ يقترح بعد التطفل ، ويترفّع بعد التسفل : ( الطويل )
له عزمة ما استبطأ الدّهر نجحها * ولا استعتب الأيّام ، وري زنادها
إذا شوهدت بالرّأي بان اختيارها * وإن بان ذو الرّأي اكتفت بانفرادها
وكانت الدنيا تهون عليه في البذل ، ويستوي عنده في المكارمة ذو الوجاهة والنذل ، لا يرى إلا قضاء مآربه ، وإضاءة الوجود بذكره في مشارقه ومغاربه .
ولما جاء إلى حسبة دمشق ، عبث بشمس الدين الشاعر الخياط المنبوز بالضفدع ، وضربه واعتقله ، وهمّ بحلق ذقنه ، فقام في أمره القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه وخلّصه ، فتسلّط على عرضه ، وهجاه بقصائد ومقطعات كثيرة من ذلك قوله ، وقد ركب بغلة بزناري : ( السريع )
رقى ابن الأطروش إلى رتبة * باع لها الجنّة بالنّار
تنصرت بغلته تحته * فقد غدت تمشي بزنار
1129 - علي بن أرقطاي « 1 »
الأمير علاء الدين ابن الأمير الكبير سيف الدين الحاج أرقطاي نائب صفد وطرابلس
هامش
( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 4 / 47 .