إسحاق « 1 » صاحب التنبيه على رفعة محله ، وقدره قد أضحت به وجوه الأصحاب سافرة عن الحسن البارع ، والمنظر الجميل ، وأمست طرق المذهب بدروسه ، واضحة الأمارة راجحة الدليل ، ولذلك ندب لنشر العلم الشريف لذلك القطر الجليل ، واستحق لفضله الأقصى أن تكون حضرة القدس مقام الخليل فليورد من فضله الباهر هناك ما يحيي مذهب ابن إدريس بدرسه ، وينشر ميت العلم حتى يكون روحا في قدسه ، وليتعهد الطلبة بالحفظ ، والبحث فإنها للعلم كالجناحين ، وليقف عندما شرطه الواقف أثابه اللّه الجنة فما يفسد أمر وقع بين صلاحين ، وتقوى اللّه تعالى زينة العلم فليجعلها طراز لبسه ، وجمال العلم فليدخرها لغده الذي يربى في الخير على أمسه ، واللّه تعالى يزيده فضلا على فضله ، وينشر به أعلام العلم الذي يخفق على رؤوس أهله بمنه وكرمه إن شاء اللّه تعالى .
وبيني وبينه رحمه اللّه مجارات ، ومكاتبات ، وألغاز ، وغير ذلك ، وقد سقت منها جانبا في كتابي ألحان السواجع .
ولما بلغتني وفاته - رحمه اللّه تعالى - قلت أرثيه : ( الكامل )
يا صاح دعني من حدي * ثك إنّ قلبي في البلاء
أو ما ترى أهل الحدي * ث تسافلوا بعد العلائي
وقلت فيه أيضا :
العلم بعد صلاح الدّين قد فسدا * والفضل نقصانه قد راح مطّردا
مات الّذي كان في علم الحديث إذا * ما أظلم الشّكّ فيه راح متّقدا
ومن يحرّر أسماء الرّجال ويد * ري النّقد ، والنّقل ، والتّعليل ، والسّندا
قد شارك النّاس في أشياء يفضلهم * فيها من العلم ، لا نحصي لها عددا
أمّا إذا كان في نقد الصّحيح من ال * حديث فهو لهذا الشّان قد قعدا
وفي الأصوليّين أستاذ فما أحد * أراه يقوى لديه لو حكى أحدا
ستّ وستّون عاما مرّ أكثرها * في نصرة السّنّة الغرّاء مجتهدا
إن أظلمت شبهة من إفك مبتدع * وقام في دفعها قلت الصّباح بدا
هامش
- وكان يميل إلى مذهب الاعتزال ، وله المكانة الرفيعة عن الخلفاء توفي في بغداد سنة 450 ه ، من مؤلفاته « الأحكام السلطانية » ، و « العيون والنكت » ، و « الحاوي في فقه الشافعية » ، وغير ذلك كثير . ( انظر : السبكي ، 3 : 303 ، والوفيات : 1 : 326 ، وشذرات الذهب : 3 : 285 ، وآداب اللغة : 2 : 333 ) .
( 1 ) أبو إسحاق هو : إبراهيم بن علي الشيرازي ، المتوفى سنة 476 ه . ( انظر : الكشف : 1 / 489 ) .