نفسه بالتعليم ، ورضي من الدهر بالتسليم فعز بالقناعة ، وشرف نفسه عن التجشم ، والرقاعة ، ولم يذل نفسه على أحد بالترداد ، ولا دخل مع أبناء الدنيا في جملة الأعداد على أنه له ملك يدخله منه كفايته ، ويصل إليه من التجويد ما هو نهايته ، وكان إذا كتب كتب ، وعثرت الرياح من خلفه ، وكبت ، وأراك بأقلامه الروض إذا نبت ، والسيوف إذا كلت عن مضارب مداه ، ونبت .
ولم يزل على حاله إلى أن رمي ابن المحدث من الحين بحادثه ، وحكم في تركته أيدي وارثه .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في ليلة الجمعة الرابع من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وسبعمائة .
كان الملك الأوحد « 1 » يصحبه فتحدث له مع الأفرم أن يدخل ديوان الإنشاء فرسم له بذلك فأبى الشيخ بدر الدين ذلك فلامه الأوحد على ترك ذلك . فقال : أنا إذا دخلت بين الموقعين ما يرتب لي أكثر من خمسة دراهم كل يوم ، وما يجلسونني فوق أحد من بني فضل اللّه ، ولا فوق بني القلانسي ، ولا فوق بني غانم فما أكون إلا دون هؤلاء ، ولو تكلمت قالوا : أبصر المصفعة ، واحد كان فقيه كتاب قال يريد يقعد فوق السادة الموقعين ، وإذا جاء سفر ما يخرجون غيري فإن تكلمت قالوا : أبصر المصفعة يحتشم عن السفر في خدمة ركاب مولانا أمير الأمراء ، وهذا أنا كل يوم يحصل لي من التكتيب الثلاثون درهما ، والأكثر ، والأقل ، وأنا كبير هذه الصناعة ، وأتحكم في أولاد الرؤساء ، والأكابر ، ونظم في ذلك : ( الخفيف )
لائمي في صناعتي مستخفّا * بي إذا كنت للعلى مستحقّا
ما غزال يقبّل الكفّ منّي * بعد برّي ، ولم يضع لي حقّا
مثل تيس أبوس منه يدا قد * صفرت من ندى لأسال رزقا
فيولّي عنّي ويلوي عن * ردّ سلامي ، ويزدريني حقّا
فاقتصد ، واقتصر عليها فما عن * إله السّماء خير ، وأبقى
وقال أيضا : ( الطويل )
غدوت بتعليم الصّغار مؤمّرا * وحولي من الغلمان ذو الأصل ، والفصل
يقبّل كفّي منهم كلّ ساعة * ويعطونني شيئا أعمّ به أهلي
وذاك بأن أسعى إلى باب جاهل * أقبّل كفّيه أحبّ إلى مثلي
هامش
( 1 ) أورد له المصنف ترجمة .