القاضي جمال الدين ، وطلب هو ابنه ، وابن أخيه إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وسبعمائة ، فرسم بعزله عن كتابة السر ، ورتب له في كل شهر مبلغ خمسمائة درهم ، ورسم لي أنا بالتوجه إلى كتابة سر حلب مكانه ، وأقام هو في بيته على راتبه إلى أن توفى - رحمه اللّه تعالى - ، فكتبت أنا إلى ولده القاضي كمال الدين محمد أعزّيه فيه : ( الوافر )
مضى من كان للدّنيا جمالا * فعزّوا في مصيبته الكمالا
كمال الدّين لا تجزع ، وسلّم * لأمر شاءه الباري تعالى
أبوك مضى ، ولم نعرف نظيرا * له فيما حواه ، ولا مثالا
تعالى في مناصبه ، ولكن * تواضع عند ذاك ، وما تعالى
وكان له إلى الفقراء ميل * أنالهم به جاها ومالا
فما عرفوا سؤالا منه إذ لم * يكن من غيره لهم سوى لا
فما يوما نوى لا في نداهم * وبرّهم ، وأولاهم نوالا
وما مالا على أحد رآه * عليه الدّهر قد أخنى ومالا
وكم والى أخا ضعف وفقر * وأولاه المبرّة ثمّ والى
بودّ ما تغيّر قطّ يوما * على من يصطفيه ، ولا استحالا
وعمّر مدّة يروي حديث الر * رسول كأنّ ذاك له اشتغالا
وكم من سيرة للمصطفى قد * تأنّق في كتابتها ، وطالا
وأبرزها كخود في حليّ * تهاوت في تثنّيها دلالا
وما بالي بصرف أو بعزل * ولم يشغل له في ذاك بالا
توكّل في الأمور على إله * يدبّر شأنه حالا فحالا
تولّى السّرّ في حلب زمانا * فما احتاجت جلادا أو جدالا
وأغنى الجيش عن حركات غزو * لمّا ركبوا السّهولة ، والجبالا
ووفّرهم فما هزّوا رماحا * ورفعهم فما سلّوا نصالا
وكم قد ساس في سيس أمورا * رأى تكفّورها فيها الخبالا
فينظر يقظة خيلا ورجلا * وتغروه مهابتهم خيالا
برأي كالحسام العضب ماض * أفادته تجاربه صقالا
وخطّ لو رآه الزّهر غضّا * لجوّد تحت أحرفه مثالا
ونثر تكرع الأسماع فيه * على ظمأ فترشفه زلالا