ولبس حلة الكمال والتمام ، خيّرا وادعا ، ساكنا بالحق رادعا ، لطيف الحركات ، يتجنب مواقع الهلكات ، قريبا من الناس ، للخير رقيبا نجيبا ، في أفعاله الغريبة ينقاد إليها مع الإخلاص جنيبا ، معروفا بالشجاعة والثبات ، موصوفا بالفروسية في الكرّ والفرّ والالتفات ، أعظمه القان قازان ، وبهره عقله الذي زان ، وقيامه بآداب المغول ، وسياستهم التي يغتال العقول منها غول ، فقرّبه لمّا جرّبه ، وردّ به الخطب حين درّبه ، وزوّجه بالخاتون أخته ، وزاد فيما خصّه به من محاسن أخته ، وأفرط فيه ، ولم يزل بحمص على نيابته ، حتى نزل به ما لا يسمع معه مشتكى ، وقرّح الجفون على البكي بالبكا .
وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعمائة .
319 - الجاي « 1 »
الأمير سيف الدين الأبوبكري .
كان أحد الأمراء بدمشق يسكن بدار الأعسر ، فيه خير وصلاح وجهاد في رضى اللّه تعالى : إلّا أنه لا يحتاج فيه إلى سلاح ، يتردد إلى الجامع ماشيا ، بفرد مملوك ، ويلازم الصلاة فيه بكرة وعشيّا ، ووقت الدلوك هذا مع تواضع يزينه ، ويحسّنه ولا يشينه .
ولم يزل على هذه الطريقة والسبيل التي هي مجاز إلى الحقيقة ، إلى أن ألجي الجاي إلى الدخول في من غبر ، فأصبح وقد طاب مبتدأ ذكره والخبر .
وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، وتوفى قبله ولده بقليل .
وكان شابا حسنا فذاق فقده ، ورأى الموت بعينه بعده .
320 - الجاي « 2 »
الأمير سيف الدين الدوادار الناصري .
كان دوادارا صغيرا مع أرسلان - المقدم ذكره - ، ولما توفى استقلّ الجاي بالدوادارية .
وكان شابا طويلا ، ظريف الحركة هزيلا ، تعلوه شقرة ، ولونه يضرب إلى حمرة ، وكان طويل الروح لا يغضب ، وإن غضب فعلى نفسه ولا يواجه إلّا بما أحبّ ، مع عفّة وديانة ، وخبرة تامة وصيانة ، وكان عارفا بأخلاق أستاذه الناصر ، تعقد على دربته
هامش
( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 1043 .
( 2 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 1044 ، والوافي بالوفيات : 9 / 353 ، والمنهل الصافي : 3 / 39 .