وكان حسن المحاضرة ، متع المذاكرة ، يستحضر من حكايات الصالحين جمله ، ويتولى من أمرها حمله ، لو جلست معه ثلاثة أيام بلياليها ؛ لأورد عليك جملة من أماليها .
وكان وهو بالديار المصرية يحضر السماع ، مع ما عنده من العزلة والانجماع ، وعليه فيه أنس وحركة ، ويرى الناس منه في ذلك خيرا وبركة .
ولم يزل بدمشق ، إلى أن نزل الموت بابن القيسراني قسرا ، وجعل العيون بالحزن عليه حسرى .
وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في الثالث عشر من ذي القعدة سنة ست وثلاثين وسبعمائة وكانت جنازته حفلة ، ودفن بمقابر الصوفية .
اجتمعت به - رحمه اللّه تعالى - بدمشق غير مرّة ، والتقطت من إنشاده غير درّة ، وأولاني من خيره ، وجبره الإحسان والمبرة ، ولما توفى - رحمه اللّه تعالى - كنت بالديار المصرية ، فكتبت إلى ولده القاضي شهاب الدين يحيى - رحمه اللّه تعالى - أعزّيه فيه - يأتي ذكر ذلك فيما بعد .
وكان قد كتب إليّ وأنا بالقاهرة : ( الطويل )
إليك صلاح الدّين شوق امرئ غدا * وقد صحّ دون الجسم فيك ، وداده
ترحّلت عن مغنى دمشق فشوقنا * إليك طوالا لدهر تجري جياده
إن كنت في أرض يحلّ صلاحها * وإن كنت في مغنى يزول فساده
فكتبت أنا الجواب إليه : ( الطويل )
أتاني مثال منك يفدى سواده * بعينيّ بل يعلو عليها مداده
أمنت به دهري ، وصلت بوصله * على الخطب حتّى خاف منّي عتاده
وصرفت في صرف الزّمان أناملي * إلى أن غدا في حكم أمري قياده
ولو لم يرد هذا المثال لما بقي * من الخاطر المشتاق إلّا رماده
لقد أصبح المملوك عبدا مكاتبا * وتمّ له ممّا يروم مراده
فلا غرو أن يبني على الأفق مجده * لأنّك من دون الأنام عماده
وإن صلاحا نال عطفك في الورى * عليه بعيد أن يراه فساده
أيا من له سبق المعالي إذا جرت * لينل العلا يوم الفخار جياده
ومن يتحلّى الدّهر منه بماجد * تكمّل فيه حلمه ، وسداده
ومن لاق في عين الكمال انتقاؤه * وصحّ على زيف الأنام انتقاده