كبير النفس شريفها ، عليه من لقبه إشارة ، لا يكاد يخطئ شكل الفارة ، وكان في أكله آفة ، فلذلك لقب بالجرّافة .
وكان في الشطرنج عالية ، والناس في عشرته متغالية ، اجتمعت به غير مرة ، ولقيت بمحادثه كلّ مسرّة ، وكان يحفظ من المواليا شيئا كثيرا إلى الغاية ، وينظم هو أيضا ما هو في بابه نهاية ، آخر عهدي به سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ، ثم توجّهت إلى الديار المصرية سنة خمس وأربعين وسبعمائة ، ولم أره ولا سمعت خبره ، والظاهر أن الفار وثب عليه من الموت سنّوره ، وجاء من خمر المنيّة دوره .
وكان يوما قد اقترح عليّ نظم بيتين مواليا ، يكون أول نصف كل بيت قلب القافية التي قبله ، وكان في المجلس أكابر ، ورؤساء من أهل الأقلام والمحابر ، وقال : إن هذا لا يقدر على نظمه ، ولا يعرف ناظم الوقوف على رسمه ، فقلت له : إلى أن تفرغ من دستك ، هذا تسمع وتطمح بطرفك . ( الرجز )
عمه عذولي على قلبي لنار ولذع * عذل لبرقة بآفاق التّسلّي لمع
عمل على نفع قلبي لو حصل لو نفع * عفن الحبائب وصالي كم لدمعي همع
وأنشدني هو من نظمه لنفسه : ( الرجز )
حبّي الّذي ما حوت مثلو دمن سنجار * ولا ثبت لقوامو غصن في الأشجار
لو خذّ أحمر وخال أخضر حكى الزّنجار * يجب عليّ احتمل جور وفديتو جار
وأنشدني له أيضا : ( الرجز )
حبّي الّذي في مديحو يعجز المحّار * أخفى الكواكب بحسنو حقّ في الأسحار
لو لحظ تركي فديتو بابلي سحار * وجفن فاتر فؤادي في غرامو حار
وأنشدني له أيضا : ( الرجز )
جواد صبري لبعد الحبّ منّي خار * وبحر دمعي جرى في عشقتو زخّار
ظبيّ يخيّر الجواهر ، وهو من فخار * قد ادّخرته لأيّام الوغى ادّخار
وأنشدني له أيضا : ( الرجز )
وهبت للحبّ مركوبي ، وهو غدّار * غضب وولّى بوجهو صرت في أكدار
ناديت يا منيتي يا عالي المقدار * خدلك بدالو ، ودر وجهك فديتو دار
حبيب عطّار لحظو في المهج جزّار * يغلب بحسنو ملاح التّرك في البازار
صادق إذا قال هو في الوعد لا نزّار * قصدي رضا انقطع عنّي الرّجا أوزار
وأنشدني له أيضا : ( الرجز )