رأيته بحلب سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، وكتب إليّ نظما يبل كبد من يظمأ ، وأحببته عن ذلك ، وذهبا مني في ليل الضياع الحالك ، ثم إنه بعد ذلك ساد وثنى الوساد .
ولم يزل إلى أن وصل ابن مهاجر حينه ، وأغمضت بالممات عينه ، وتوفى - رحمه اللّه تعالى - .
أنشدني من لفظه لنفسه بحلب في التاريخ : ( الكامل )
ما لاح في درع يصول بسيفه * والوجه منه يضيء تحت المغفر
إلّا حسبت البحر مدّ بجدول * والشّمس تحت سحائب من عنبر
قلت : جمع في هذا بين مقطوعين أحدهما قول أبي بكر الرصافي : ( الكامل )
لو كنت شاهده وقد حمى الوغى * يختال في درع الحديد المسبل
والثاني قول المعتمد : ( المتقارب )
ولمّا اقتحمت الوغى دارعا * وقنّعت ، وجهك بالمغفر
حسبنا محيّاك شمس الضّحى * عليها سحائب من عنبر
ومن شعره : ( الرمل )
ومن عجب لظى قد سعّرتها * جداول قد أقلّتها بدور
ومنه لغز في قالب اللّبن : ( الرمل )
ما آكل في فمّين * يغوط من مخرجين
مغرى بقبض وبسط * وما له من يدين
ويقطع الأرض سعيا * من غير ما قدمين
قلت : نظم رائق ، ولفظ يخجل الحدائق ، ولكن ليست مقاصده في هذا اللغز مليحة ، ولا معانيه صحيحة ، وأحسن منه قول محمّد بن شرف القيرواني « 1 » : ( الطويل )
وما بالغ في يومه ألف لقمة * ولقمته أضعاف أضعاف وزنه
إذا ملأ المأكول جنبيه لم يقم * سوى لحظة أو لحظتين ببطنه
هامش
( 1 ) محمد بن شرف القيرواني هو : محمد بن سعيد بن أحمد بن شرف ، أحد فحول شعراء المغرب ، له كتاب أبكار الأفكار ، المتوفى في سنة : 460 ه ، ( انظر : الوافي بالوفيات : 3 / 97 ) .