بالعشرة ، والخلطة التي تركته بروة ، وجردت قشره .
كان فيه همة ، وعنده شجاعة ، ولديه من الإقدام في المعارك أجزل بضاعة ، نزل من قلعة حلب للإغارة ، والتتار يتوقد من شرهم كل شرارة ، فوقع في فرسه سهم عقره ، وفتق جنبه وبقره ، فبقي على ضخامته راجلا ، وأمسك به عاجلا ، وجاءوا به مقدم التتار ، فسأله عن عسكر المسلمين ، فرفع شأنهم ، وأعلى في الفروسية مكانهم ، فغاظه ذلك منه ، وضرب عنقه في الحال ، وشمر للارتحال .
وأصل منادمته لصاحب ماردين أو الموصل تنديبة ، بدت منه بغير قصد ، وهي عجيبة ؛ لأنه قصد الطهارة ، وعلى بابها خادم ، يناول كيلا من الماء لكل قادم ، فدخل على عادة البلاد ، وما هي عليه من الأمر المعتاد ، فصاح به الخادم : قف ، خذ هذا الكيل ، فقال :
لا أنا . . . أخرى جزافا من الويل ، فبلغت السلطان فقال : هذا ظريف يصلح ؛ لأن ننادمه ، ونزيد خوافي جناحه وقوادمه .
وأخبرني عنه الصاحب جمال الدين سليمان بن ريان « 1 » قال : لازمنا أبو جلنك مدة ، ونام عندنا ليالي عدة ، وكان ينتبه نصفا من الليل ، ويكرر على محافيظه ، ومنها مختصر ابن الحاجب ، ثم يشبب بشبابه يزمزم ، وإذا أصبح توضأ ، وأتى بالواجب ، وما زال على حاله إلى أن ضربت عنقه ، وخلا من كوكبه أفقه ، وذلك سنة سبعمائة .
وأنشدني القاضي جمال الدين ابن ريان قال : أنشدني من لفظه ، أبو جلنك لنفسه لغزا :
( المديد )
اسم الّذي أهواه في حروفه * مسألة في طيّها مسائل
خمساه فعل ، وهو في تصحيفه * مبين ، والعكس سمّ قاتل
تضيء بعد العصر إن جئت به * مكرّرا من عكسك المنازل
وهو إذا صحّفته مكرّرا * فاكهة يلتذّ منها الآكل
وهو إذا صحّفته جميعه * وصف امرئ يعجب منه العاقل
قلت : هذا لغز في مسعود ، وهو لغز جيد ، ومقاصده جيدة إلّا أن قوله : وصف امرئ يعجب منه العاقل ، فيه تسامح فإنه لا يقال : مشعوذ ، وإنما يقال مشعبذ بالباء مكان الواو .
وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين قال : أنشدنا علاء الدين علي بن عبد الملك بن عبد اللّه بن عبد الرحمن الحلبي قال : أنشدنا أبو جلنك لنفسه ، وكان قد مدح قاضي القضاة
هامش
( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات 15 / 367 ، والدرر الكامنة : 2 / 145 .