من الرؤساء وأرباب الدولة ، فقبّل الأرض ولم ينطق ، فعجب الرشيد من صمته وغاظه ذلك وأمر بضرب عنقه ، وبسط النّطع وجرّد السيف وقدّم مالك ، فقال الوزير : يا مالك تكلم فإن أمير المؤمنين يسمع كلامك ، فرفع رأسه وقال : يا أمير المؤمنين أخرست عن الكلام دهشة ، وقد أدهشت عن السلام والتحية ، فأما إذ أذن أمير المؤمنين فإني أقول : السلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته ، الحمد للّه الذي خلق الإنسان من سلالة من طين ، يا أمير المؤمنين جبر اللّه بك صدع الدين ، ولمّ بك شعث الأمة ، وأخمد بك شهاب الباطل ، وأوضح بك سبيل الحق ، إن الذنوب تخرس الألسنة الفصيحة وتصدع الأفئدة ، وأيم اللّه لقد عظمت الجريمة وانقطعت الحجة ، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك ، ثم أنشأ يقول بعد ما التفت يمينا وشمالا :
أرى الموت بين النّطع والسيف كامنا * يلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي * وأيّ امرئ مما قضى اللّه يفلت ؟
يعز على الأوس بن تغلب وقفة * يهز عليّ السيف فيها وأسكت
وأي امرئ يدلي بعذر وحجة * وسيف المنايا بين عينيه مصلت
وما بي من خوف أموت وإنني * لأعلم أن الموت شيء موقّت
ولكنّ خوفي صبية قد تركتهم * وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم * وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
فإن عشت عاشوا آمنين بغبطة * أذود الردى عنهم ، وإن مت موّتوا
فكم قائل لا يبعد اللّه داره * وآخر جذلان يسرّ ويشمت
قال : فبكى هارون الرشيد وقال : لقد سكتّ على همة ، وتكلمت على حلم وحكمة ، وقد عفوت لك عن الصّبوه ووهبتك للصّبية ؛ فارجع إلى ولدك ولا تعاود ، فقال : سمعا وطاعة ، وانصرف .