إلّا وبالغت في قضائها ، ولا شتمت أحدا قط ، لأنه إنما يشتمني أحد رجلين :
إما كريم فكانت منه هفوة فأنا أحق بعفوها ، وإما لئيم فأصون عرضي منه ، فقال له عبد الملك : حق لك أن تكون سيّدا شريفا .
وقال الكلبي : خرج أسماء في أيام الربيع إلى ظاهر الكوفة فنزل في رياض معشبة ، وهناك رجل من بني عبس نازل ، فلما رأى قباب أسماء وخيامه قوّض خيامه ليرحل ، فقال له أسماء : ما شأنك ؟ فقال : لي كلب هو أحبّ إليّ من ولدي ، وأخاف أن يؤذيكم فيقتله بعض غلمانكم ، فقال له أسماء :
أقم وأنا ضامن كلبك ، ثم قال لغلمانه : إذا رأيتم كلبه قد ولغ في قدوري وقصاعي فلا تهيجوه ، وأقام على ذلك مدّة ، ثم ارتحل أسماء ونزل في الروضة رجل من بني أسد ، وجاء الكلب على عادته فضربه الأسدي فقتله ، فجاء العبسي إلى أسماء فقال له : أنت قتلت كلبي ، قال له : وكيف ؟ قال : عوّدته عادة ذهب يرومها من غيرك فقتل ، فأمر له بمائة ناقة دية الكلب .
ولما أراد أسماء أن يهدي ابنته إلى زوجها قال لها : يا بنيّة ، كوني لزوجك أمة يكن لك عبدا ، ولا تدني منه فيملّك ، ولا تتباعدي عنه فيتغيّر عليك ، وكوني له كما قلت لأمك :
خذي العفو مني تستديمي مودّتي * ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
فإني رأيت الحبّ في الصدر والأذى * إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
وقال الرياشي : قال أسماء بن خارجة لامرأته : اخضبي لحيتي ، فقالت :
إلى كم ترقع منك ما خلق ؟ فقال :
عيّرتني خلقا أبليت جدّته * وهل رأيت جديدا لم يعد خلقا
كما لبست جديدي فالبسي خلقي * فلا جديد لمن لم يلبس الخلقا
وأسند أسماء عن علي بن أبي طالب وابن مسعود ، وتوفي في سنة ست وستين وقيل : سنة اثنتين وثمانين ، وهو ابن ثمانين سنة ، رحمة اللّه عليه .