وقد حكى صاحب « المحيط « 1 » » من الحنفيّة ، و [ كذا ] صاحب « الذّخيرة « 2 » » أنّه لو قال رجل : إنّه كان يوم التّروية « 3 » بالبصرة ، وإنّه وجد ذلك اليوم بمكة ، إنّ هذا القائل يكفر عند محمد بن يوسف « أبي حنيفة » الأصغر ، وقال شمس « 4 » الأئمة : لا يكفر بل يجهّل ، وقال أصحابنا : لو قال لعبده إن لم أحجّ في هذا العام فأنت حرّ ، وتنازعا ، وأقام العبد بيّنته أنّه كان يوم النّحر بالبصرة مثلا ، عتق العبد ، وقال بعض أصحابنا : إنّه لو علّق الطّلاق بإحياء الموتى ، وقع الطّلاق في الحال ، وإن لم يوقعه في مسئلة التّعليق بالصّعود ، وكلّ ذلك أنّ الأمور البعيدة لها حكم المعلوم ، فكلّما كان أبعد وقوعا ، كان أبعد قبولا ، وأيضا فإنّ اللّه تعالى قال :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى »
، وسبحان تقع عند أهل العربيّة للتعجّب ، وصيغة التعجّب الواردة في القرآن ، يقصد بها المخاطبون ، بمعنى أنّه أمر يتعجّب منه ، / فأمر يتعجّب منه بالنّسبة إلى الرّسول الكريم ، صاحب الآيات [ 157 و ] الباهرة ، والمعجزات الظّاهرة [ صلّى اللّه عليه وسلّم ] لا نثبته بخبر واحد ، تروج عليه القضايا ، فذلك عندي من الرّزايا ، لا سيّما من امرأة لا تدرى أنسيت أم حفظت ، أو توهّمت أو اختلقت .
والأمور البعيدة في العادة ، يتعجّب من وقوعها ، ويتوقّف في قبولها إلّا إذا علم صدق المخبر « 5 » ، كما في القصص المذكورة بعد ، وفي قصة زكريّا عليه السلام ،
هامش
( 1 ) انظر : كشف الظنون / 1619 و 1620 ، وفهرس الدار القديم 3 / 125 .
( 2 ) هي : « ذخيرة الفتاوى » أو « الذخيرة البرهانية » للامام برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز المتوفى سنة 616 ه ، اختصرها من كتابه المشهور بالمحيط البرهاني ، انظر : كشف الظنون / 823 ، وفهرس الدار القديم 3 / 51 .
( 3 ) يوم التروية : هو اليوم الثامن من ذي الحجة ، سمى بذلك لأن الحجاج يرتوون فيه من الماء وفي حديث ابن عمر : « وكان يلبى بالحج يوم التروية » ؛ انظر : النهاية 2 / 113 ، واللسان 14 / 347
( 4 ) هو الإمام الكبير أبو بكر محمد بن أحمد ابن أبي سهل السرخسي الفقيه الحنفي صاحب « المبسوط » وأحد الفحول والمتوفى سنة 483 ه ، وقيل في حدود التسعين وأربعمائة .
( 5 ) في ا ود : « صدق الخبر » .