قسما لما نسطيع شكرك عمرنا * أبدا وما تلك اليمين غموس
لو دام منا بكرة وعشيّة * لم يغن تبكير ولا تغليس
ومتى قنعنا بل يرجّى إن يرى * كل امرئ لك في يديه مروس « 1 »
والكل أن غرقوا فقد هلكوا معا * منا وآخر عنده مغموس
أوردتنا البحر الخضم فغامس * وإذا يفوز بهلكهم إبليس
فتدارك الغرقى واستنقذهم * بالعلم فهو لديننا جاسوس
والعلم عمدتنا وأصل أمورنا * وعليه يثبت للبنا التأسيس
والكل غرسك غير أن من الظما * قد كاد يهلك غرسك المغروس
لو عاينت عيناك أغصانا له * فيه النظارة ينثني وينوس
غنّت به أطياره وتساقطت * أثماره لولا اعتراه يبوس
لرحمته وسقيته مثعنجرا * فلئن فعلت فلن يراه البوس
فلديك بحر زاخر متغطمط * طام وردت عليه العيس
فلئن غفلت ولم تذاركه فقد * آل العناء لأنه مأيوس
وسمعت قوما يهرجون برجله * فالحقّ ما قالوه أو تهويس
إن كان ذاك فإن أهل بلادنا * جاءتهم بعد السعود نحوس
وتبدلوا من نضرة ومسرّة * يوما له وجه عليه عبوس
فلئن وطئن ركابكم في بلدة * سوى فخدي ذلك الموطوس
ولأسقين سمّا ذعافا ناقعا * وكأنّ ساقي السمّ جالينوس
والروح إن فارقت فارق جسمه * وقفا عليك مدى الحياة حبيس
لا تصغينّ لبائس ذكر النوى * فالشر أول أمره تيئيس
حاشاك من قتل النفوس وغمطها * فالقتل عند العالمين خسيس
والقول في قطع الأحبة فاسد * والرأي في تنفيرهم منكوس
حتى متى يأتي الزمان بمثلهم * إن الزمان بمثلهم مفلوس
كم منهم حام لدين اللّه ما * في ذاك توهيم ولا تلبيس
ذي لبدتين غضنفر مبلغ * عند المصاع إذا اقمطر وطيس « 2 »
هامش
( 1 ) الغموس : اليمين الفاجرة والتغليس معروف ومستعمل والمروس : حبال يشدّ بها والمتعنجر : الغزير الشر والتهويس : الهذيان ، وطسن من وطس : وطئ ودعس .
( 2 ) السمّ الذعاف الناقع : القاتل بسرعة ، جالينوس ، أحد أطباء وحكماء اليونان ، والغمط النكران للجميل ، ذو اللبدتين وصف للأسد ، والمصاع : الكرّ والفرّ ، اقمطرّ : اشتدّ ، الوطيس : هيجان الحرب .