وخرج إلى مصر في آخر عمره فتوفي بها لسبع خلون من رجب سنة أربعين وثلاثمائة ودفن على قرب من تربة الشافعي .
وأمّا شيخه ابن سريج ( فهو أشهر أئمة الشافعية ، ميلاده سنة ثمان وقيل سبع وأربعين ومائتين ) « 1 » قال الشيخ أبو إسحاق في حقه كان من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين حتى كان يقال له : الباز الأشهب ، ولي القضاء بشيراز « 2 » وهو أول من وليه من أصحاب الشافعي حتى كانوا يعاتبونه ويقولون له : لم يكن هذا يعرف في أصحاب الشافعي إنما كان القضاء في غيرهم وكان يفضل على أكابر الأصحاب حتى على المزني ، وكان لا يزال حاملا لمختصر المزني في كمه وفيه يقول :
صديق فؤادي منذ عشرين حجة * وصيقل ذهني والمفرّج عن همي
عزيز على مثلي إعارة مثله * لما فيه من علم لطيف ومن فهم
جموع لأصناف العلوم بأسرها * حقيق على أن لا يفارقه كمّي
( واشتملت ) « 3 » فهرست مصنفاته ( تزيد ) « 4 » على أربعمائة مصنف وقام بنصرة مذهب الشافعي قياما مرضيا ، وردّ على مخالفيه وناظرهم وبالغ في ذلك وفرّع على كتب محمد بن الحسن ، وكان معظم مناظرته لأبي بكر بن داود الظاهري « 5 » حكي أنه قال له يوما وهما في المناظرة : أبلعني ريقي ، فقال أبو العباس : أبلعتك دجلة « 6 » ، وقال له يوما : أكلّمك من الرّجل فتجيبني من الرأس فقال له : هكذا البقر إذا حفيت أظلافها دهنت قرونها . وقال له يوما : أمهلني ساعة فقال : أمهلتك إلى يوم الساعة « 7 » .
وكان الشيخ أبو حامد المقدم ذكره يقول : نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه ، وعن ابن سريج أخذ فقهاء الإسلام وانتشر مذهب الشافعي
هامش
( 1 ) ما بين القوسين من « ب » وساقط من « د » واسمه أحمد بن عمر بن سريج إذ لم يذكره الجندي .
( 2 ) شيراز بكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة من تحت ثم راء وألف وزاي : مدينة كبيرة من بلاد فارس ، وتسمى مدينة الزهور لكثرة الزهور فيها ، خرج منها عالم لا يحصى من العلماء والعظماء ، عرفتها سنة 1395 ه عندما دعيت لحضور مؤتمر ذكرى إمام النحويين ( سيبويه ) رحمه اللّه تعالى .
( 3 ) ما بين القوسين ساقط من « د » .
( 4 ) ما بين القوسين ساقط من « ب » .
( 5 ) أبو بكر هو محمد بن داود بن علي بن خلف الأصفهاني المعروف بالظاهري كان فقيها أديبا شاعرا ظريفا مستقل الرأي يعمل بالظاهر بدون تأويل ، وكانت وفاته سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره اثنتان وأربعون سنة « الوفيات » ج 3 ص 390 .
( 6 ) دجلة بالكسر والفتح أحد نهري العراق .
( 7 ) في ابن خلكان ج 1 ص 49 : « أمهلتك من الساعة إلى أن تقوم الساعة » .