لدكالة القراء يعزى وإنه * لشمس الضّحى والبدر في الأفق يطلع
لقد كان لإسلام كهفا وملجأ * تكفّ به عنا البلايا وتدفع
توفّته أملاك المهيمن طيبا * مقيل له أعلى الجنان ومرتع
فيا فوز من صلّى عليه وزاره * فبالفوز والغفران والخلد يطمع
348 - ومنهم أبو عبد اللّه محمد بن يخلف بن أبي بكر بن طريفة الرباوي الزاهد العابد رحمه اللّه تعالى :
قال العواني : كان من أعلام طريق الإرادة « 1 » ، أوحد أهل وقته في طريقته ، وأعلاهم همة وأثحتهم « 2 » دينا ، وأقواهم يقينا ، زاهدا في الدنيا ، منقبضا عن الناس ، مائلا إلى الخمول . قد فاق في الزهد والورع أهل وقته . وكان العمل أملك به ، مع حسن هدي ، واستقامة طريق ، وإظهار نسك ، وصدق لهجة ، وطيب أخلاق . وترك الدنيا ، وأقبل على الآخرة والعبادة ومجانبة السّلطان . وكان من الورعين البكّاءين الخاشعين ، على هدي السّلف الصّالح . في أخشن عيشة ، يلبس الخشن من الصّوف ، ويأكل من الشعير ما يسدّ جوعه مما يحدث بنفسه ، يأخذ منه ما يقتات به ويتصدق بما فضل منه .
ولقد شاهدته في بعض السنين وقد أصاب زرعه برد ذهب بجميعه ولم يبق له منه ما يقتات به ، فكان يخدم بالإجارة مع البنات « 3 » ، وخدم عندنا يوما مع البنّائين ، فكان يجهد نفسه في الخدمة فيقول له والدي رحمه اللّه : ارفق [ بنفسك ] « 4 » ولا تكلّفها شططا في الخدمة ، فيقول له : أنا أجير ، ولا يسعني أن أترك من جهدي شيئا ، فلما كان آخر النهار الذي يخدم فيه ، دفع له مع أجرته عشرة دنانير وقال له :
يا سيدي خذ هذه وسّع بها على نفسك ، فامتنع من قبولها ولم يأخذ إلا أجرته خاصة .
هامش
( 1 ) جاء في الرسالة القشيرية أن الإرادة بدء طريق السالكين ، وهي اسم لأول منزلة القاصدين إلى اللّه تعالى ، وإنما سمّيت هذه الصفة إرادة ، لأن الإرادة مقدّمة كل أمر ، فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله . الرسالة القشيرية ص : 201 دار الجيل طII.
( 2 ) كذا في ط ، ت . ولا معنى لها في هذا القول ، بينما في ت : ورد باللفظ التالي : « وأثحتهم دنيا » .
( 3 ) ت وط : البنات .
( 4 ) ساقط من : ت .