باستجلاب عبد الحميد إلى المهدية ليقوم بفتواها إذ لا يرى استيفاء أحد من فقهائها لأمور فجلب له ، ولزم المهدية ودارت عليه فتاويها ، فلما شقت سوسة على تميم ، قبض جماعة فيهم عبد الحميد ، فضربه وغرمه خمسمائة « 1 » دينار ، فباع فيها عبد الحميد كتبه ، وكان سبب انقباض عبد الحميد عن الفتيا ، فلقيه بعد ذلك تميم واعتذر إليه ، فلم ينفعه ولزم الانقباض ، والتزم داره ولم يفت « 2 » في شيء ، وجعل لا يجالس أحدا ، وتحيّل في الخروج إلى سوسة لعلّة المداواة « 3 » لحسن هوائها ، فبقي على حالته تلك ستة أعوام ، إلى أن دخل الإفرنج إلى المهدية ، واستباحوا أهلها . ودخلوا جلّ قصورها « 4 » فانكسر بعد ذلك تميم ودائرته ، وهان على الناس ، فظهر عبد الحميد ورجع إلى حالته الأولى ، وأفتى ودرس وانتفع به إلى أن مات رحمه اللّه .
319 - ومنهم أبو حفص عمر القمودي « 5 » :
قيروانيّ الأصل ، نزيل صفاقس « 6 » ، وكان فقيها ، أديبا ، مفتيا ، من حفّاظ المدوّنة والقائمين عليها ، ومن حفّاظ الشّعر ، أخذ عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، وأبي عمران الفاسي ، وصحب أبا القاسم السيوري .
ذكر بعض أصحابه قال : لما ودّعني الفقيه أبو حفص عمر القمودي أنشدني « 7 » :
هيّجوا للبين برقا فلمع * وأثاروا دمع عيني فاندفع
ودعوا قلبي فلما جاءهم * أوقفوه بين يأس وطمع
هامش
( 1 ) في ترتيب المدارك : « ستمائة » دينار 4 / 795 .
( 2 ) في ترتيب المدارك : « ولم ينتفع » .
( 3 ) في ترتيب المدارك : « المعاناة » 4 / 795 .
( 4 ) قال عياض : « وذلك سنة ثمانين » 4 / 795 .
( 5 ) ترجم له في : ترتيب المدارك : 4 / 798 .
( 6 ) صفاقس : مدينة عتيقة بناها الأفارقة على ساحل البحر المتوسط أيام كانوا يحاربون الرومان ، فهي مدينة تونسية كبيرة . انظر عنها : رحلة التيجاني ص : 68 - 84 ، وصف إفريقيا ص : 87 .
( 7 ) الترجمة نفسها منقولة حرفيا من ترتيب المدارك : 4 / 798 .