قلت : هو قبلة أبيه بينه وبين أبيه خطوات ، وعند رأسه سارية طويلة وهو مزار يعرفه الخاصّة والعامّة ، ورثي بثلاثمائة مرثية ، والمرثية « 1 » هي القصيدة ومن هنا تعرف عمارة القيروان من ذلك :
لقد مات رأس العلم وانهدّ ركنه * وأصبح من بعد ابن سحنون واهيا
فمن لروات العلم بعد محمّد * لقد كان بحرا واسع العلم طاميا
ومن لرواة العلم والرّأي والحجا * وقد أصبح المفضال في الترب ثاويا
لقد أفجع الإسلام موت محمد * وأصبح منه جانب العين خاليا
بكى كل من بالغرب عند وفاته * وحق لمن بالغرب أن يك باكيا
قال أبو بكر التّجيبي : وهذا أحسن ما رأيت فيه .
قال : قال أبو محمد بن أبي زيد رضي اللّه عنه : لما مات محمد بن سحنون رحمة اللّه عليهما أقامت البيوع والأشرية والقباب مضروبة على قبره أربعة أشهر بالليل والنّهار ، فما صرفهم عن ذلك إلّا هجم الشّتاء .
قلت : وقال ابن حارث : أقام الناس على قبره أشهرا عدّة حزنا عليه وأسفا على فراقه « 2 » . وقال التّجيبي أقامت الأسواق والبيوع والأشرية على قبره نحوا من سنة .
قلت : وقال غيره لم تتفرق الناس عنه حتى خاف من ذلك ابن الأغلب . فبعث إلى ابن عم سحنون المعروف بابن أبي لبدة يفرق الناس ، وهكذا كانت الناس مع وجود أبي عبد اللّه محمد بن عبدوس وغيره ، واليوم يكون في البلدة عالم واحد ليس فيها مثله ، فإذا مات فحدّهم أن يجدوا عليه حتى يدفنوه ويرجعوا إلى حوانيتهم
هامش
( 1 ) جاء في الرياض : قال أبو الحسين الكانشي : بلغني أنه لما مات رثاه جماعة منهم : أحمد بن أبي سليمان رثاه بقصيدة ثلاثمائة بيت منها يقول ، وهذا مطلعها :ألا فابك للإسلام إن كنت باكيا * لحبل من الإسلام أصبح واهيا
تثلم حصن الدين وانهدّ ركنه * عشية أمسى في المقابر ثاوياالرياض 1 / 455 .
وعدد الأبيات التي ذكر منها في الرياض 54 بيتا ، لم يرد ضمنها أبيات المعالم .
( 2 ) هذا الوجد يدل على مكانة العلماء عند الناس في عصر سحنون رحمه اللّه ، لكن فيه مبالغة وبعد عن السّنّة ، فالميت مهما كانت قيمته في الدنيا لا يتجاوز في حق الحزن عليه فوق ثلاثة أيام إلا زوجته إذا كان متزوجا ، ومدة حدادها أربعة أشهر وعشرة أيام .