يتكلم فيه بأباطيل في الفرق بين الظّل والفيء ، والصواب ما ذكره الإمام أبو محمد بن مسلم بن قتيبة في أول « أدب الكاتب » قال : يذهبون - يعني :
العوام - إلى أن الظّل والفيء بمعنى ، وليس كذلك ، بل الظّل يكون غدوة وعشية ، ومن أول النهار إلى آخره ، ومعنى الظّل : السّتر ، ومنه قولهم : أنا في ظلّك ، ومنه : ظلّ الجنة ، وظلّ شجرها : إتمامه وسترها ونواحيها ، وظلّ الليل : سواده ، لأنه يستر كلّ شيء ، وظلّ الشمس : ما سترته الشخوص من مسقطها ، وأما الفيء فلا يكون إلا بعد الزوال ، ولا يقال لما قبل الزوال : فيء ، وإنما سمي [ ما ] بعد الزوال فيئا ، لأنه ظلّ فاء من جانب إلى جانب ، أي : رجع ، والفيء : الرجوع . هذا كلام ابن قتيبة وهو نفيس ، وقد ذكر غيره ما ليس بصحيح ، فلم أعرّج عليه ، واللّه تعالى أعلم .
وقولهم : أخشاب المظلّة فوق البعير . هي بكسر الميم وفتح الظاء وتشديد اللام ، نص عليه الجوهري وغيره ، وأصله : البيت من شعر .
ظلم :
قوله صلّى اللّه عليه وسلم في الوضوء : « فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم » « 1 » ، قد تقدم معنى الظلم والإساءة هنا في فصل ( أسا ) ، فلا نعيده ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس لعرق ظالم حقّ » « 2 » يأتي إن شاء اللّه تعالى في حرف العين .
ويقال : ظلمه يظلمه ظلما ومظلمة ، قاله الجوهري ، وقال هو وغيره : أصل الظّلم : وضع الشيء في غير موضعه ، قال : والظّلمة : خلاف النور ، والظّلمة بضم اللام لغة فيه ، والجمع ظلم وظلمات ، وقد أظلم الليل ، وقالوا : ما أظلمه وما أضوأه ، وهو شاذّ . والظلام : أول الليل ، والظّلماء والظّلمة .
وقال صاحب « المحكم » : الظّلمة : ذهاب النور ، وهي الظّلماء ، والظّلام اسم يجمع ذلك ، كالسّواد ، وقيل : الظلام : أول الليل وإن كان مقمرا ، وقال الهروي : يقال : أظلم الليل ، وظلم قولهم : لأنه لم يستدرك الظّلامة . الظّلامة بضم الظاء ، قال الجوهري رحمه اللّه تعالى : الظّلامة والظّليمة والمظلمة : ما تطلبه عند الظالم ، وهو اسم ما أخذ منك ، وقال صاحب « المحكم » : الظّلامة ما تظلمه ، وهي المظلمة ، وقال غيرهما : جمع ظلامة ظلام بضم الظاء .
قال أهل اللغة : أصل الظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، قالوا هم وأصحابنا المتكلمون : وهو أيضا التصرف في غير ملك ، قال أصحابنا وغيرهم :
ويستحيل أن يقع الظلم من اللّه تعالى ، فإن العالم ملكه ، فلا يتصرف في غير ملكه .
وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ النساء : 40 ] وأشباهه من الآيات الكريمة ، معناه :
لا يتصوّر الظلم في حقه سبحانه وتعالى ، ولا يقع منه ، هذا معناه الذي يجب على كل أحد اعتقاده ، وأما ما يقع في كتب المفسرين : لا يعاقب بغير جرم ، خطأ صريح وجهل قبيح ، مردود على قائله ، وإن كان كبير المرتبة ، فلا يعتدّ بما يراه من ذلك .
وقول اللّه تبارك وتعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] هذا مما يسأل عنه كثيرا عن الحكمة في بنائه على فعّال الذي هو للكثرة ، ولا يلزم من نفي الظلم الكثير نفي القليل ، بخلاف العكس ، والجواب من أوجه ذكر منها أبو البقاء العكبري في كتابه « إعراب القرآن » أربعة أوجه في
هامش
( 1 ) سلف في فصل ( أسا ) من حرف الألف .
( 2 ) أخرجه أبو داود ( 3073 ) ، والترمذي ( 1378 ) .