وكان طبيبه " أبو الخير المسيحي " وكان شيخا حسنا مسنّا ، وقد خدمه مدة طويلة « 1 » ، وكان " متقنا للصناعة خبيرا بها " « 2 » ، ومات وقد قارب المائة سنة ، فاشتد « 3 » به المرض وضجر من العلامات الطبية ، فأشير بأن تشق المثانة لإخراج الحصاة ؛ فسأل عن " أحذق الجراحيين " « 4 » ، فأخبر برجل منهم يقال له " ابن عكاشة " ، من ساكنى الكرخ « 5 » ، بجانب بغداد الغربى ، فأحضر وشاهد العضو العليل « 6 » ، وأمره « 7 » ببطه ، فقال : أحتاج أن أشاور مشايخ الأطباء في هذا . فقال له : من تعرف في بغداد « 8 » من صالحي هذه الصناعة ؟
فقال : يا مولانا أستاذي وشيخى " أبو نصر بن المسيحي " ، ليس في البلاد بأسرها من يماثله .
فقال له الخليفة : اذهب إليه ، وأمره بالحضور ، فلما حضر ، خدم وقبل الأرض ، فأمره بالجلوس فجلس ساعة ولم يكلمه ، ولم يأمره بشئ ، حتى سكن روعه .
فلما أنس منه ذلك ، قال له : يا أبا نصر ، مثل نفسك أنك قد دخلت إلى البيمارستان ، وأنت تباشر " به مريضا قد ورد " « 9 » من بعض الضياع ، وأريد أن تباشر مداواتى وتعالجنى من « 10 » هذا المرض ، كما تفعل بمن هذه صفته ، فقال : السمع والطاعة ، ولكنني أريد « 11 » أن أعرف من هذا الطبيب المتقدم ، مبادئ المرض وأحواله وتغيراته ، وما عالج به منذ أول المرض وإلى الآن .
فأحضر الشيخ " أبو الخير " ، وأخذ يذكر له " ابتداءات المرض وتغير " « 12 » أحواله وما عالج به « 13 » في أول « 14 » المرض ، وإلى آخر وقت .
فقال : التدبير صالح ، والعلاج مستقيم ، فقال الخليفة : هذا الشيخ أخطأ « 15 » ولا بد لي من صلبه ، فقام " أبو نصر بن المسيحي " وقبل الأرض ، وقال : يا مولانا بحق نعمة الله عليك ، وبمن « 16 » مضى من أسلافك الطاهرين ، لا تسن على الأطباء بهذه السنة ، وأما الرجل فلم يخطئ في التدبير ، ولكن بسوء حظه لم ينته المرض . فقال : قد عفوت عنه ولكن لا يعود " يدخل على " « 17 » ، فانصرف .
هامش
( 1 ) في ج : " كثيرة " .
( 2 ) في باقي النسخ تقديم وتأخير ، وفي أ : " . . . للصناعة الطبية . . . " .
( 3 ) في أ ، ج : " فامتد " .
( 4 ) في أ : " حذاق الجرائحيين " ، ج : " حذاق الجراحين " ، ك : " أحذق الجراحين " .
( 5 ) يطلق اسم الكرخ على عدة بلدان إسلامية ، ومنها : كرخ البصرة ، وكرخ بغداد ، وكرخ جدان ، وكرخ الرقة ، وكرخ سامراء ، وكرخ ميسان ، وكرخ خوزستان ، وكرخ عبرتا .
( 6 ) في ب : " والعليل " .
( 7 ) في أ : " وأمر " .
( 8 ) ساقط في ب .
( 9 ) في أ : " فيه مريضا ورد " .
( 10 ) في أ ، ج : " في " .
( 11 ) في أ ، ج : " أحتاج " .
( 12 ) في ج : " ابتداء . . . . وتغيرات " .
( 13 ) ساقط في أ .
( 14 ) في أ ، ج : " الأمر " .
( 15 ) في أ : " قد أخطأ " .
( 16 ) في ب : " من " ، ج : " وبما " ، والمثبت من أ .
( 17 ) في ج : " إلى " .