الفصل الثالث الحديث في تاريخ ابن الدّبيثي
لقد بينت في مقدمتي لتاريخ الخطيب البغدادي أنه كان من منهجه إيراد حديث أو خبر بسنده من طريق المترجم إن وقع له ذلك ، وأشرت إلى أن إيراد الأحاديث في التراجم طريقة كانت معروفة قبله ، وسار عليها كثير ممن جاء بعده ، وأظهرت الدواعي التي دعت المتقدمين إلى هذا الصّنيع وأنهم في الأغلب الأعم استعملوا هذه الطريقة كجزء من منهجهم النقدي في أحوال الرجال ، مثل بيان المخالفة أو المتابعة ، أو أن المترجم لا يعرف إلا بهذا الحديث ، أو بيان ضعف المترجم أو جهالته من غير تصريح بذلك ، أو لبيان شكه في حقيقة الراوي ، أو اتحاد الرواة أو اختلافهم عند تشابه الأسماء واختلافها وهو ما يعرف بالمتفق والمفترق ، ونحو ذلك مما هو مبين هناك ومعروف في الصناعة الحديثية . كما بينت في الوقت نفسه ما آلت إليه هذه الطريقة عند المتأخرين وتحولها من هذه الغايات العلمية المفيدة إلى غايات قليلة الفائدة من مثل :
التفاخر بسعة الرواية ، وتتبع الأسانيد العالية ونحوها « 1 » . والكلام دائما في مثل هذه المواطن متوجه على الأحاديث التي يسوقها مؤلف الكتاب بإسناده .
وابن الدبيثي الكلف بالحديث وأهله قد عني بهذا الجانب فساق فيما وصل إلينا من كتابه قرابة الألف حديث بالمكرر ، وهو عدد لا يستهان به يستحق العناية والتنويه والدراسة والتحليل .
وأول ملحظ نلاحظه على منهج ابن الدبيثي في إيراد الحديث أنه غالبا ما كان يسوقه من طريق الأجزاء المتداولة في الرواية والمعروفة بعنايتها بعلو الإسناد ، مثل جزء الحسن بن عرفة العبدي ، وجزء الغطريف ، وجزء أبي الجهم ،
هامش
( 1 ) تنظر مقدمتي لتاريخ الخطيب 1 / 135 - 177 .