تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام مالقة — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
يصلح للولاية حرصا على أن يعزله عنها تورعا منه رحمه اللّه . فلم يقبل الأمير ذلك منه . وبقي على ولايته . وظهرت في أيامه الحقوق ، وسار من السيرة الحسنة ما لم يسربها أحد قبله . كان ماضي العزيمة ، مقداما مهوبا منفّدا للأحكام . فكان بذلك مستحسن المقاصد ، مشكورا في الصادر والوارد . وكان رحمه اللّه أفضل الناس خلقا ، وأرحبهم صدرا ، وأجملهم عشرة ، وأتمّهم رجولة ، وأنداهم يدا ، وأكثرهم احتمالا . يحسن إلى من أساء إليه ، ويجود بماله على من بخل به عليه ، مع ما كان عليه من سياسة الناس ومداراتهم وقضاء حوائجهم وله في صنعة التوثيق باع مديد ، وسهم سديد . وكان سريع القلم سهل الألفاظ مختصر الوثيقة ، غاية في البراعة إلى الشعر الرائق ، والكتب الفائق . وله تصانيف عجيبة متداولة بأيدي الناس ، كالمشرع الروي في الزيادة على كتاب الهروي ، والتكميل والإتمام لكتاب التقريب والإعلام ، والأربعين حديثا الموافق فيها اسم الشيخ لاسم الصحابي ، وهو منزع لم يسبق إليه ، وكنزهة الناظر في مناقب عمّار بن ياسر ، وكالجزء المختصر في السلو عن ذهاب البصر ، وغير ذلك . رحل الناس إليه وأخذوا عنه . وكان رحمه اللّه قد أخذ عن شيوخ جلة كأبي الحجاج ابن الشيخ ، وأبي محمد القرطبي ، وأبي علي الرندي ، وأبي جعفر الجيار ، وكالقاضيين أبي محمد بن حوط اللّه ، وأبي سليمان داود ، وكالقاضي أبي الخطاب بن واجب ، وكأبي زكرياء بن عبد المنعم الأصبهاني وغيرهم . وكان قد مال أخيرا إلى الرواية . وإنما نبّهت عليه هذا التنبيه ، وذكرت بعض ما كان من المحاسن فيه ، مخافة أن ينقرض الزمان . فتنقرض أخباره . ويفنى ناس عصره ، فتنسى مآثره وآثاره ، وليقف من لم يدركه على مناقبه الجميلة ، ويشاهد بعض مآثره الحميدة ومنازعه الجليلة . وما زالت مناقب الأئمة تخلد وتذكر ، وتذاع وتنشر . وإذا كان من العلم قد تعيّن شرعا ، واستحسن طبعا ، فحقّه عليّ آكد الحقوق ، وسكوتي عن الاعتناء بتخليد مناقبه ضرب من العقوق . ولا غرو أن يقال : ما باله أطال في مدحه عنانه ، وأدرّ من سماء فكره عنانه ، فذكر له ما لم يذكره لسواه ، ولا أظهر على أحد نصه ولا فحواه ، فعذري في ذلك أنه لم يكن أحد من أهل عصره