محمد : ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين . وقال سفيان الثوري : إن لم تكن من الصالحين فإنا نحب الصالحين [ من الطويل ] :
وصفنا طريق الصّالحين وفعلهم * وما حظّنا إلّا التّزيّن بالوصف
ترى خلت الأرض بهم أم لا تراهم ؟ كلا ! لو صفت أعمالنا عرفناهم . أما الأحياء منهم فالقطر يجرى من جراهم . أما أمواتهم فمعنا في الأخبار معناهم . وإن كان لك انتقاد ، عرفتهم بسيماهم ، لباسهم ما ستر ، وطعامهم ما حضر ، ذلوا ليرضى . فإذا رأيت القوم قلت مرضى . للّه درّهم من أقوام ! قطعوا أعمارهم في طلبه وأتعبوا أعضاءهم في فرضه وواجبه . وقطعوا قواطعهم لأجل التعلق به ، وحملوا عن الجهال خوفا من غضبه . فقدموا القيامة بقلوب تشتاقه وأقدام تسعى في طلبه . فإذا مروا على النار قالت :
جز يا مؤمن قد أطفى نورك لهبى . وإذا رأت النار من جهر بالخير وما خافت خافت .
وإذا شهدت نفوسنا طالما ضاقت ضاقت ، وإذا عاينت أجساما باينت الحرام وعافت عافت . هلا تشبهت ، يا هذا ، بهؤلاء القوم ؟ هلا انتبهت من ذلك الرقاد والنوم ؟ [ من الكامل ] :
ومن العجائب أن تكون كما أرى * وتظنّ نفسك فائزا مقبولا
كيف السبيل إلى نعيم آجل * في حقّ من لم يستقم في الأولى
فواها لقوم هجروا لذيذ المنام ، وأنصبوا لما نصبوا الأقدام ، وانتصبوا للنصب في الظلام ، يطلبون نصيبا من الإنعام . إذا جن الليل سهروا . وإذا جاء النهار اعتبروا . وإذا نظروا في عيوبهم استغفروا ، وإذا تفكروا في ذنوبهم بكوا وانكسروا . وأقبلوا بالقلوب على مقلبها ، وأقاموا النفوس بين يدي مؤدبها ، وسلموها إذ باعوها إلى صاحبها وأحضروا الآخرة فنظروا إلى غائبها . وسهروا الليالي كأنهم وكلوا برعى كواكبها .
ونادوا أنفسهم : صبرا على نار البلاء لمن كواك بها . ومقتوا الدنيا فما مالوا إلى ملاعبها واشتاقوا إلى لقاء حبهم فاستطالوا مدة المقام بها [ من الكامل ] :
يا طالب الدنيا وما تبقى له * ألهاك مغشوش النّصيحة آفك
دار يريق دم المصدّق زورها * بصوارم الآفات وهي تضاحك