قلت : ما سمعت أحدا يذكر الحبيب أحسن من ذكرك ، فأيّ شيء المحبّة ؟
قالت : سبحان اللّه ! وأنت الحكيم الواعظ ، وتسألني عن المحبّة ؟ أوّل المحبّة تبعث على الكدّ الدائم ، حتى إذا وصلت أرواحهم إلى أعلى الصّفا جرّعهم من محبّته لذيذ الكؤوس . ثم صاحت ، وخرّت مغشيّا عليها ، وأفاقت وهي تقول :
أحبّك حبّين حبّ الرّضا * وحبّا لأنّك أهل لذاكا
فأمّا الذي هو حبّ الرّضا * فذكر شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا « 1 »
* * * وقال ذو النون : بينا أسير في تيه بني إسرائيل ، إذا أنا بجارية سوداء قد استلبها الوله من حبّ الرّحمن ، شاخصة ببصرها نحو السماء ، فقلت :
السلام عليك يا أختاه . فقالت : وعليك السلام يا ذا النّون . فقلت لها : من أين عرفتيني يا جارية ؟ فقالت : يا بطّال ، « إنّ اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، ثم أدارها حول العرش فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » « 2 » . فعرفت روحي روحك في ذلك الجولان . قلت : إنّي لأراك حكيمة فعلّميني شيئا ممّا علّمك اللّه . فقالت : يا أبا الفيض ، ضع على جوارحك ميزان « 3 » القسط حتى يذوب كلّ ما كان لغير اللّه ، ويبقى القلب مصفّى ليس فيه غير الرّبّ عزّ وجلّ ، فعند ذلك يقيمك على الباب ، ويولّيك ولاية جديدة ، ويأمر الخزّان لك بالطاعة . فقلت : يا أختاه ، زيديني .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 429 ، 430 .
( 2 ) حديث ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 112 ( 315 ) وقال : حديث ضعيف جدا .
( 3 ) في ( ب ) : « نيران » .