السّواحل
قال ذو النّون : بينا أنا أسير على ساحل البحر إذ بصرت بجارية عليها أطمار شعر ، وإذا هي ناحلة ذابلة ، فدنوت منها لأسمع ما تقول ، فرأيتها متّصلة الأحزان بالأشجان ، وعصفت الرّياح ، فاضطربت الأمواج ، فصرخت ثمّ سقطت إلى الأرض ، فلمّا أفاقت نحبت ، ثم قالت : سيّدي ، بك تفرّد المتفرّدون في الخلوات ، ولعظمتك سبّحت النّينان « 1 » في البحار الزّاخرات ، ولجلال قدسك اصطفقت الأمواج المتلاطمات ، أنت الذي سجد لك سواد الليل ، وضوء النّهار ، والفلك الدوّار ، والبحر الزّخّار « 2 » ، والقمر النوّار ، وكلّ شيء عندك بمقدار ، وقالت :
يا مؤنس الأبرار في خلواتهم * يا خير من حطّت به النّزّال
فقلت : زيدينا من هذا . فقالت : إليك عنّي . ثم رفعت طرفها نحو السماء وقالت :
أحبّك حبّين حبّ الوداد * وحبّا لأنّك أهل لذاكا
فأمّا الذي هو حبّ الوداد * فحبّ شغلت به عن سواكا
وأمّا الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتّى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ثم شهقت شهقة فإذا هي قد فارقت الدّنيا ، فبقيت أتعجّب ممّا رأيت منها ، فإذا أنا بنسوة قد أقبلن ، عليهنّ مدارع الشّعر ، فاحتملنها فغيّبنها عنّي فغسّلنها ، ثم أقبلن بها في أكفانها ، فقلن لي : تقدّم فصلّ عليها . فتقدّمت فصلّيت عليها ، وهنّ خلفي ، ثم احتملنها ومضين « 3 » .
هامش
( 1 ) النينان : جمع نون ، والنون الحوت .
( 2 ) في الأصل : « الزاخر » ، والمثبت من صفة الصفوة .
( 3 ) صفة الصفوة 4 / 374 ، 375 .