قال الفضيل : فغيّب عنّي جنونه ما سمعت من كلامه . فقلت له : يا فتى ، لولا الرجاء لم أصبر . فقال لي : وأين مسكن الرجاء منك ؟ فقلت : موضع مستقرّ هموم العارفين . فقال : أحسنت واللّه ، إنما هو قلب ، الهموم عمرانه ، والأحزان أوطانه ، عرفته فاستأنست به ، وأحببته فارتحلت إليه .
قال الفضيل : فسمعت من كلامه ما قطعني عن جوابه ، فقلت له :
رحمك اللّه ، عظني وأوجز . فقال لي : يا فضيل ، مثلك يقول هذا ؟ أما علمت أنّ اللّه تعالى له عباد قطعهم الجزع عن كلف الألسن ، فكلّت الألسن « 1 » من غير عيّ عن محاسن الوصف خوف العقاب ، فاغتبطوا عند اللّه تعالى ، وإنّ حاجة أحدهم لتردّد في صدره ، لا يأذن لنفسه إطلاقها خوفا من شرّ نفسه ، فأصبحوا مع حسن هذه الصفة في الدّنيا محزونين « 2 » مغمومين ، وعقول صحيحة ، ويقين ثابت ، والألسن ذاكرة ، وجوارح معلّقة ، وأرواح في الملكوت سارحة ، ثم ولّى وهو يقول :
أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر
* * *
المدينة
قال نافع : خرجت مع ابن عمر في بعض نواحي المدينة ، ومعه أصحاب له ، فوضعوا سفرة لهم ، فمرّ بهم راع ، فقال له عبد اللّه : هلمّ يا راعي ، فأصب من هذه السّفرة . فقال له : إنّي صائم . فقال له عبد اللّه :
هامش
( 1 ) عبارة « فكلت الألسن » ليست في ( أ ) .
( 2 ) في ( ب ) : « مجزوبين » .