وهو يقول : سبحان من لا يسع الخلق إلّا ستره ، سبحانك ما ألطفك بمن خالفك ! وما أوفاك بعهدك ! سبحانك ما أحلمك عمّن عصاك وخالف أمرك ! سيّدي بحلمك نطقت ، وبفضلك تكلّمت ، وما أنا والكلام بين يديك بما لا يستأهل قدري ، فيا إله من مضى قبلي ، ويا إله من يكون بعدي ، بالصالحين فألحقني ، ولأعمالهم فوفّقني . ثم قال : أين الزّهّاد والعبّاد ؟ أين الذين شدّوا مطاياهم إلى منازل معروفة ، وأعمال موصوفة ، نزل بهم الزّمان فأبلاهم ، وحلّ بهم البلاء « 1 » فأفناهم ، فهل أنتظر إلّا مثل الذي نزل بهم ؟ ثم أقبل على ما كان فيه .
فقلت : رجل قد عزفت نفسه عن كلام الناس . فانصرفت وتركته باكيا .
* * * وقال سعيد بن سالم : نزل روح بن زنباع « 2 » منزلا بين مكة والمدينة في حرّ شديد فانقضّ عليه راع من جبل ، فقال : يا راعي ، هلمّ إلى الغداء .
فقال : إنّي صائم « 3 » . فقال : وإنّك لتصوم في هذا الحر الشديد ؟ ! قال :
أفأدع أيّامي تذهب باطلا « 4 » ؟ قال روح : لقد ضننت بأيّامك يا راعي ، إذ جاد به روح بن زنباع « 5 » .
* * *
هامش
( 1 ) في ( ب ) : « حل بهم الفناء » .
( 2 ) روح بن زنباع : أمير فلسطين وسيد اليمانية في الشام ، وقائدها وخطيبها وشجاعها ؛ قيل : له صحبة ، كان عبد الملك بن مروان يقول : جمع روح طاعة أهل الشام ، ودهاء أهل العراق ، وفقه أهل الحجاز ، له أخبار مع عبد الملك وغيره . الأعلام 3 / 34 .
( 3 ) في ( ب ) : « لصائم » .
( 4 ) في ( ب ) : « يا بطال » .
( 5 ) صفة الصفوة 4 / 378 .