ولم يكن معي ماء ولا زاد ، وأشرفت على الهلكة ، فلاحت إليّ أشجار كثيرة ومحراب ، فطرحت نفسي في فيء شجرة ، فلما غربت الشمس إذا أنا بشابّ متغيّر اللّون ، نحيل الجسم ، يؤمّ المحراب « 1 » فركل برجله ربوة من الأرض ، فظهرت عين تبضّ بماء عذب ، فشرب وتوضّأ وقام إلى محرابه « 1 » « 1 » فقمت إلى العين فشربت ماء عذبا ، وقمت أصلّي بصلاته حتى برق عمود الفجر ، فلمّا رأى الصّبح وثب قائما على قدميه ، ونادى بأعلى صوته : ذهب الليل بما فيه ، وأقبل النهار بدواهيه ، ولم أقض من خدمتك وطرا ، آه خسر من تعب لغيرك بدنه ، ولجأت إلى سواك همّته .
فلمّا أراد أن يمضي ناديته : بالذي منحك لذيذ الرّغب ، وأذهب عنك ملال التّعب إلّا خفضت لي جناح الرّحمة ، فإنّي غريب أريد بيت اللّه الحرام ، وقد ضللت عن الطريق . فقال : يا بطّال ، وهل قطع بوفده دون البلوغ إليه ؟ ثم قال : اتبعني . فرأيت الأرض تطوى من تحت أرجلنا ، حتى رأيت المحجّة وسمعت ضجّة ، فقال : ها قومك ، ثم أنشأ يقول :
من عامل اللّه بتقواه * وكان في الخلوة يرعاه
سقاه كأسا من صفا حبّه * يسلبه عن لذّة دنياه
فأبعد الخلق وأقصاهم * وانفرد العبد بمولاه « 2 »
* * * وقال شبيب بن شبّه : كنّا بطريق مكة وبين أيدينا سفرة لنا نتغدّى في يوم قائظ ، فوقف علينا أعرابيّ ومعه جارية له زنجيّة ، فقال : يا قوم ، أفيكم أحد يقرأ كلام اللّه حتى يكتب لي كتابا ؟ قال : قلت له : أصب من غدائنا
هامش
( 1 ) ( 1 - 1 ) ما بينهما ليس في ( ب ) .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 407 .