شاء اللّه هاهنا . ثم فارقني فما رأيته بعد ذلك ، ولا عرّفني باسمه .
قال إبراهيم : فرجعت إلى بلدي أسير سير الضّعفاء ، منزلا بعد منزل حتى إذا رجعت إلى بلخ ، فكان هذا أوّل أمري « 1 » .
رحمة اللّه عليهما .
* * *
صور
قال محمد بن خفيف : خرجت من مصر أريد الرّملة للقاء أبي عليّ الرّوذباري ، فقال لي عيسى بن يوسف المصري : إنّ في صور شابّا وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة ، فلو نظرت إليهما نظرة لعلّك تستفيد منهما .
فدخلت إلى صور ، وأنا جائع عطشان ، وفي وسطي خرقة ، وليس على كتفي شيء ، فدخلت المسجد فإذا أنا بشخصين جالسين مستقبلي القبلة ، فسلّمت عليهما ، فما أجاباني ، فسلّمت ثانيا وثالثا فلم أسمع الجواب ، فقلت : نشدتكما باللّه إلّا رددتما عليّ السلام . فرفع الشابّ رأسه من مرقّعته ، فنظر إليّ ، وردّ السلام عليّ ، وقال لي : يا ابن خفيف ، الدّنيا قليل ، وما بقي من القليل إلّا القليل ، فخذ من القليل للكثير . يا ابن خفيف ، ما أقلّ شغلك حتى تفرّغت للقائنا ، ثم نظر إليّ ، وطأطأ رأسه .
فبقيت عندهما حتى صلّينا الظّهر والعصر فذهب جوعي وعطشي ونصبي « 2 » . فلمّا كان وقت العصر قلت له : عظني . فرفع رأسه إليّ ، وقال :
يا ابن خفيف ، نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان لعظة . فبقيت عندهما
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 177 .
( 2 ) كلمة « ونصبي » ليست في ( ب ) .