أسود مجذوم ، قد تقطّعت كلّ جارحة له بالجذام ، وعمي وأقعد ، وإذا صبيان يرمونه بالحجارة حتى دموا وجهه ، فرأيته يحرّك شفتيه ، فدنوت منه لأسمع ما يقول ، فإذا هو يقول : يا سيدي إنّك لتعلم أنّك لو قرضت لحمي بالمقاريض ، ونشرت عظامي بالمناشير ما ازددت لك إلّا حبّا ، فاصنع بي ما شئت « 1 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
* * * وقال إبراهيم بن داود القصّار : سمعت الدرّاج يقول : كنت أنا وابن الفوطي على دجلة بين البصرة والأبلّة ، وإذا بقصر حسن ، له منظر وعليه رجل ، وبين يديه جارية تغنّي وتقول :
في سبيل اللّه ودّ * كان منّي لك يبذل
كلّ يوم تتلوّن * غير هذا بك أجمل
وإذا شابّ بيده ركوة ، وعليه مرقّعة ، وهو قائم تحت القصر يسمع ، فقال : يا جارية ، بحياة مولاك ، أعيدي :
كلّ يوم تتلوّن * غير هذا بك أجمل
فقال مولاها : قولي . فأعادت . فقال الفقير : هذا - واللّه - تلوّني مع اللّه في الحقّ . ثم شهق شهقة خرجت روحه .
فقال صاحب القصر للجارية : أنت حرّة لوجه اللّه تعالى .
وخرج أهل البصرة فغسّلوه وكفّنوه ، وصلّوا عليه ودفنوه ، فقام صاحب
هامش
- الصفوة 4 / 18 إلى الحربية . والحربية موضع ببغداد . والأخبار كلّها عن متعبّدي البصرة .
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 18 ، 19 .