وقال أبو السّوّار العدويّ : بنو عديّ أشدّ أهل هذه البلدة اجتهادا ، هذا أبو الصّهباء « 1 » لا ينام ليله ولا يفطر نهاره ، وهذه امرأته معاذة لم ترفع رأسها إلى السماء أربعين عاما « 2 » .
وقالت امرأة من بني عدي أرضعتها معاذة : قالت لي معاذة : يا بنيّة ، كوني من اللّه على حذر ورجاء ؛ فإنّي رأيت الرّاجي له محقوقا بحسن الزّلفي لديه يوم يلقاه ، ورأيت الخائف له مؤمّلا للأمان يوم يقوم الناس لربّ العالمين « 3 » .
وقالت أمّ الأسود بنت زيد العدوية : قالت معاذة لما قتل أبو الصّهباء وقتل ولدها « 4 » : واللّه يا بنيّة ، ما محبّتي للبقاء في الدّنيا للذيذ عيش ، ولا لروح نسيم ، ولكنّي واللّه أحبّ البقاء لأتقرّب إلى ربّي عزّ وجلّ بالوسائل لعلّه يجمع بيني وبين أبي الصّهباء وولده في الجنة .
وقالت عفيرة العابدة : بلغني أنّ معاذة العدوية لما احتضرت للموت بكت ، ثم ضحكت ، فقيل لها : ممّ بكيت ثم ضحكت ؟ قالت : أمّا البكاء الذي رأيتم فإنّي واللّه ذكرت مفارقة الصّيام والصلاة والذّكر ، وأمّا الذي رأيتم من تبسّمي وضحكي فإنّي نظرت إلى أبي الصّهباء وقد أقبل في صحن الدار ، وعليه حلّتان خضراوان وهو في نفر ، واللّه ما رأيت لهم في الدّنيا شبها ، فضحكت إليه ، ولا أراني أدرك بعد ذلك فرضا . فماتت قبل أن يدخل وقت الصلاة .
رحمة اللّه عليها ورضوانه .
هامش
( 1 ) أبو الصهباء ، هو صلة بن أشيم . انظر ترجمته في 3 / 148 من هذا الكتاب .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 22 .
( 3 ) صفة الصفوة 4 / 23 .
( 4 ) وذلك في غزوة سجستان سنة 62 للهجرة . انظر طبقات خليفة 192 ، وسير أعلام النبلاء 3 / 499 .