بين حدّين ، ولا يجمع بين حدّين حتى يخفّ أحدهما . والمجنونة ليس عليها حدّ . وحدّ لأبويه وهما غائبان لم يحضرا فيدعيان . فبلغ ذلك ابن أبي ليلى ، فدخل على الأمير ، فشكا إليه ، فحجر على أبي حنيفة ، وقال :
لا تفت . فلم يفت أيّاما حتى قدم رسول من وليّ العهد ، فأمر أن يعرض على أبي حنيفة مسائل حتى يفتي فيها ، فأبى وقال : أنا محجور عليّ .
فذهب الرسول إلى الأمير ، فقال : قد أذنت له ، فقعد وأفتى « 1 » .
قلت : مناقب أبي حنيفة كثيرة ، وفضله لا ينكره إلّا معاند أو حاسد .
وقد اقتصرنا منها على هذا القدر .
ومات ببغداد سنة خمسين ومائة ، ودفن في مقابر الخيزران ، وقبره مشهور هناك .
رحمة اللّه عليه ورضوانه « 2 » .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 13 / 351 .
( 2 ) جاء في هامش ( ب ) بخطّ مغاير ما نصّه : خبر : وفي « مجموع النّوازل » أنّ أبا حنيفة رضي اللّه عنه لمّا حجّ الحجّة الآخرة ، قال في نفسه : لا أقدر على أن أحجّ مرّة أخرى . فسأل سدنة البيت - أي خزنته - أن يفتحوا له باب الكعبة ، ويأذنوا له بالدّخول ليلا ليقرأ فيه . فقالوا : إنّ هذا أمر لم يكن لأحد ، ولكن نفعل حرمة لسبقك وتقدّمك في العلم ، واقتداء الناس بك . ففتحوا له ، فدخل ، فقام بين العمودين على رجله اليمنى ، ووضع قدمه اليسرى على ظهر رجله اليمنى حتى قرأ من القرآن النّصف ، وركع وسجد ، ثم قام على رجله اليسرى ، ووضع قدمه اليمنى على ظهر رجله اليسرى حتى قرأ القرآن . فلما سلّم بكى ، وناجى ربّه وقال : إلهي ، ما عبدك هذا العبد الضعيف حقّ عبادتك ، لكن عرفتك حقّ معرفتك ، فهب نقصان خدمته بكمال معرفته . فهتف به هاتف من جانب البيت :
يا أبا حنيفة ، أخلصت المعرفة ، وخدمت فأحسنت الخدمة ، فقد غفرنا لك ولمن تبعك ، ولمن كان على مذهبك إلى يوم القيامة .
وفي « مجمع الأحبار » : ومن لطائف الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، أنّه حضر عند الإمام مالك بطيبة من قبل أن يعرفه ، فأرمى مالك سؤالا عجز عنه الحاضرون ، فأجابه أبو حنيفة . ثم ثانيا ، وثالثا . فقال مالك رحمه اللّه : من أين الرجل ؟ قال : من العراق . قال : من بلاد الكفر والنّفاق . فقال أبو حنيفة : أتأذن -