ما يسألني اليوم أحد عن الحلال والحرام إلّا أجبته . فقام إليه أبو حنيفة ، فقال : يا أبا الخطّاب ، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعواما ، فظنّت امرأته أنّ زوجها مات ، فتزوّجت . ثم رجع زوجها الأول ؛ ما تقول في صداقها ؟
وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه : لئن حدّث بحديث ليكذبنّ ، ولئن قال برأي نفسه ليخطئنّ . فقال قتادة : ويحك ، أوقعت هذه المسألة ؟ قال : لا ، قال : فلم تسألني عمّا لم يقع ؟ قال أبو حنيفة : إنّا نستعدّ للبلاء قبل نزوله ، فإذا وقع عرفنا الدّخول فيه ، والخروج منه . قال قتادة : واللّه لا أحدّثكم بشيء من الحلال والحرام ، سلوني عن التفسير . فقام إليه أبو حنيفة ، فقال له : يا أبا الخطّاب ، ما تقول في قول اللّه تعالى :
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
[ النمل : 40 ] ؟ قال : نعم ، هذا آصف بن برخيا كاتب سليمان بن داود عليهما السلام ، وكان يعرف الاسم الأعظم « 1 » . فقال أبو حنيفة : وهل كان يعرف الاسم سليمان ؟ قال :
لا . قال : فيجوز أن يكون في زمان نبيّ من هو أعلم من النبيّ ؟ فقال قتادة :
واللّه لا حدّثتكم بشيء من التفسير . سلوني عمّا اختلف فيه العلماء . فقام إليه أبو حنيفة فقال له : يا أبا الخطّاب ، أمؤمن أنت ؟ قال : أرجو . قال : ولم ؟
قال : لقول إبراهيم عليه السلام :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
[ الشعراء : 82 ] فقال أبو حنيفة : فهلّا قلت كما قال إبراهيم عليه السلام :
قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى
[ البقرة : 260 ] . فقام قتادة مغضبا ، ودخل الدّار ، وحلف أن لا يحدّثهم « 2 » .
وقال الفضل بن غانم : كان أبو يوسف مريضا شديد المرض ، فعاده أبو حنيفة مرارا ، فصار إليه آخر مرّة : فرآه ثقيلا ، فاسترجع ، ثم قال : لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ، ولئن أصيب الناس بك ليموتنّ معك علم كثير .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : « اسم اللّه الأعظم » .
( 2 ) تاريخ بغداد 13 / 348 ، 349 .