تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
جالس ، إذ أقبل ابن عمّ له فقال : يا فلان ؛ قاتل اللّه بني قيلة « 1 » ، واللّه إنّهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكّة اليوم يزعم أنّه نبيّ . فلمّا سمعتها أخذتني العرواء « 2 » حتى ظننت أنّي ساقط على سيّدي . فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمّه : ما ذا تقول ؟ ما ذا تقول ؟ فغضب سيّدي فلكمني لكمة شديدة وقال : مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك . فقلت : لا شيء ، إنّما أردت أن أستثبته عمّا قال . وكان عندي شيء قد جمعته ، فلمّا أمسيت أخذته ، ثم ذهبت به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو بقباء ، فدخلت عليه فقلت له : إنّه بلغني أنّك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء كان عندي للصدقة ، فرأيتكم أحقّ به من غيركم . فقرّبته إليه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه : « كلوا » « 3 » وأمسك يده فلم يأكل ، فقلت في نفسي : هذه واحدة ممّا وصف لي صاحبي . ثم رجعت ، وتحوّل رسول اللّه إلى المدينة . فجمعت شيئا كان عندي ثم جئته به فقلت : إنّي رأيتك لا تأكل الصّدقة ، وهذه هديّة أكرمتك بها ، فأكل رسول اللّه منها ، وأمر أصحابه فأكلوا معه . فقلت في نفسي : هاتان اثنتان . ثم جئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة ، وعليه شملتان ، وهو جالس في أصحابه فسلّمت عليه ، ثم استدرت انظر إلى ظهره ، انظر إلى الخاتم الذي وصف لي صاحبي . فلمّا رآني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم استدبرته ، عرف أنّي أستثبت شيئا قد وصف لي ، فرفع رداءه عن ظهره ، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه ، فأكببت عليه أقبّله وأبكي . فقال : « تحوّل يا سلمان هكذا » « 4 » . فتحوّلت فجلست بين يديه ، وأحبّ أن يسمع أصحابه حديثي عنه ، فحدّثته يا ابن عبّاس كما حدّثتك .
هامش
( 1 ) بنو قيلة : هم الأوس والخزرج ، من الأنصار ، وقيلة : اسم أمّ لهم قديمة ، وهي قيلة بنت كاهل . اللسان : ( قيل ) . ( 2 ) العرواء : قرّة الحمّى ومسّها في أوّل رعدتها . القاموس : ( عرو ) . ( 3 ) رواه أحمد في مسنده : 5 / 443 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد : 9 / 335 . ( 4 ) رواه الخطيب في تاريخه : 1 / 169 .