خلّا ، فقال لي بعض الناس : أيّ شيء تنظر ؟ هذه أنموذجات خمر . فقلت في نفسي : لزمني فرض ، فدخلت حانوت الخمّار ، فلم أزل أصبّ تلك الدّنان وهو يتوهّم أني أصبّه بأمر السلطان ، فلما علم حملني إلى ابن طولون ، فأمر بضربي مائتي خشبة ، وطرحني في السجن ، وبقيت مدّة حتى دخل أستاذي أبو عبد اللّه المغربي رضي اللّه عنه ذلك البلد ، فتشفّع لي ، فلما وقع بصره عليّ قال : أيّ شيء فعلت ؟ فقلت : شبعة عدس ومائتي خشبة .
فقال : نجوت مجّانا « 1 » .
وقال : خرجت من الجزيرة إلى الرقة ومعي جماعة من الفقراء ، فيهم غلام حدث السّنّ ، فأردنا نركب في الفراة ، فتعلّق بي وقال : يا أبا إسحاق ! لا أطيق ركوب الماء وأنا أفزع من ساقية ماء . فتلطّفت به وأدخلته المركب وأجلسته إلى جانبي ، وشددت عينيه كي لا يرى الماء ، حتى عبرنا وخرجنا إلى مكان يقال له دوسر « 2 » ، والغلام معي ، فقمت إلى صلاة أصلّيها وكان فيهم من يقرأ قراءة طيّبة ويقول « 3 » ، فقعد الغلام مع القوم يسمع ، ثم انزعج واضطرب ، وقام فرمى بنفسه في الماء ، وشقّ الفراة شقّا كأنّه سهم ، وأنا أومي إلى أصحابنا وأسبّح ، فرأيته كأنّه على رفرف جالس حتى عبر الفراة ونحن ننظر إليه ، وقد تحيّرنا في أمره وتعجّبنا من حاله ! فبقي الغلام من ذلك الجانب ، وتغيّر عليه الحال ، فاكتريت له زورقا حتى عبرت به إلينا ، ونظرت إلى ثيابه ، فإذا أسفل حقويه رطب والباقي جافّ لم يبتلّ .
وقال : كنت أقرأ القرآن حتى بلغت إلى قوله عزّ وجل :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[ يونس : 22 ] فعلمت « 4 » بحقيقة هذه الآية
فِي
هامش
( 1 ) ذكره مختصرا المناوي في الكواكب 2 / 4 .
( 2 ) دوسر : قرية قرب صفّين على الفرات . وقيل : هي قلعة جعبر . معجم البلدان 2 / 484 .
( 3 ) كذا في ( أ ، ل ) .
( 4 ) كذا ، ولعل الصواب « فعملت »