إبراهيم يحلق رأسه ويحتجم ، فجاء إلى حجّام وجلس بين يديه ، فلما رآهما الحجّام حقرهما وقال : ما في الدنيا أحد أبغض إليّ من هذين ، ما وجدا من يحجمهما « 1 » غيري ؟ ! فحذم « 2 » جماعة وتهاون بإبراهيم وصاحبه ، وإبراهيم ساكت ينظر ، فلما لم يبق عنده أحد التفت إليهما وقال : أيش « 3 » الذي تريدان ؟ فقال إبراهيم : أريد أن أحلق رأسي وأحتجم .
ووجد صاحب إبراهيم الذي معه في نفسه من تهاون الحجّام بهما فقال : أمّا أنا فليس أحلق ولا أحتجم . فحلق إبراهيم واحتجم ، فلما فرغ قال لصاحبه : هات الدنانير التي معك . فأخذها منه ودفعها إلى الحجّام ، وهي عشرون دينارا . فقال له صاحبه : يا أستاذ ! حصدت في هذا الحرّ ودفعتها إلى هذا ؟ ! فقال له : اسكت ، تركت هذا لا يحقر فقيرا أبدا « 4 » .
ودخل من فوره إلى طرسوس ، فلما أصبح قال لصاحبه : خذ هذه الكتيّبات ارهنها وجئنا بشيء نأكله . فخرج صاحبه ليجيء بشيء كما أمره ، فرأى في طريقه خادما على شهريّ « 5 » ، وبين يديه جمّازات « 6 » وخيل وبغال عليها صناديق فيها زيادة على ستين ألف دينار ، والخادم يقول : الذي أبغيه هو أحمر أشقر يعرف بإبراهيم بن أدهم . فقال له صاحب إبراهيم : الذي تطلبه ما يحبّ هذه الشّهرة ، أنا أدلّك عليه . فقال للغلام : كن معه . فلما ضرب خيمته أخذ بيده ، فجاء به إلى إبراهيم وهو جالس ، فلمّا رآه الخادم وهو في زيّ الحصّادين بكى بكاء شديدا ثم قال له : يا مولاي ! بعد ملك خراسان صرت في هذا الحال ؟ ! فقال له إبراهيم : اسكت ،
هامش
( 1 ) في ( ل ) : « يجذمهما » .
( 2 ) كذا في ( أ ، ل ) .
( 3 ) أيش : أيّ شيء ؟ .
( 4 ) أورد بعضها ابن الملقّن في الطبقات ص 9 .
( 5 ) الشّهريّ : ضرب من البراذين ، وهي خيل ليست من نتاج العرب . اللسان ( شهر ، برذن ) .
( 6 ) الجماز : البعير الوثاب السريع . اللسان ( جمز ) .