ولم يبق من العمر إلا القليل ، فدعني أعش باقيه حرّا سليما من ذلّ وصغار ، فقد أخذت منه أوفر حظ « 1 » » .
لقد لفت المجد أنظار الحكام والولاة إليه ، وحظي بالشهرة ، فرغبوا في الاغتراف من بحر علمه ، واستشارته في أمورهم وأخذ رأيه فيما يحزبهم ، لأنهم يثقون بفهمه وسداد رأيه ، فقلدوه أعمالا جساما ، تليق بمكانته ، فتولى خزانة سيف الدين الغازي بن مودود بن زنكي ؛ ثم ولاه ديوان الجزيرة وأعمالها ، وناب في ديوان الموصل عن الوزير جلال الدين أبي الحسن علي بن جمال الدين محمد بن أبي منصور الأصبهاني . ونال درجة رفيعة عند مجاهد الدين قايماز ، نائب المملكة في الموصل . واتصل بخدمة الأتابك عزّ الدين مسعود بن مودود ، وولي له ديوان الإنشاء . ثم اتصل بخدمة ولده نور الدين أرسلان شاه .
وأراد نور الدين أن يوليه الوزارة غير ما مرّة ، فأشاح عنها لما فيها من مسؤولية جسيمة ، ويسوق ياقوت قصته في ذلك مع نور الدين عن أخيه أبي الحسن أنه قال « 2 » :
« حدثني أخي أبو السعادات قال : لقد ألزمني نور الدين بالوزارة غير مرة ، وأنا أستعفيه ، حتى غضب مني وأمر بالتوكيل بي « 3 » ، قال : فجعلت أبكي فبلغه ذلك ، فجاءني وأنا على تلك الحال فقال لي : أبلغ بك الأمر إلى هذا ؟ ما
هامش
( 1 ) إنباه الرواة 3 / 259 ، وبغية الوعاة 275 .
( 2 ) معجم الأدباء 17 / 73 .
( 3 ) أي بإقامة وكيل لي ( عن حاشية معجم الأدباء ) ؛ ويشبه هذا الإجراء في زمننا اليوم ب « الإقامة الجبرية » .