ذكر المصطفين من أهل الأبلة
629 - عابد
أبو إسحاق الهرويّ قال : كنت مع ابن الخروطي بالبصرة فأخذ بيدي وقال : قم حتى نخرج إلى الأبلّة ، فلما قربنا ونحن نمشي على شاطئ الأبلّة في الليل والقمر طالع ، إذ مررنا بقصر لجنديّ فيه جارية تضرب بالعود ، فوقفنا في فناء القصر نستمع وفي جانب القصر الآخر في ظل القمر فقير بخرقتين واقف ، فقالت الجارية :
كلّ يوم تتلوّن * غير هذا بك أجمل
فصاح الفقير وقال : أعيديه فهذا حالي مع اللّه تعالى ، فنظر صاحب الجارية إلى الفقير فقال لها : اتركي العود وأقبلي عليه فإنه صوفي فأخذت تقول ، والفقير يقول :
هذا حالي مع اللّه تعالى ، والجارية تردّد إلى أن زعق الفقير زعقة خرّ مغشيا عليه فحرّكناه فإذا هو ميّت فقلنا : مات الفقير .
فلما سمع صاحب القصر بموته نزل فأدخله القصر فاغتممنا وقلنا : هذا يكفّنه من غير وجهه ، فصعد الجنديّ وكسر كلّ ما كان بين يديه فقلنا : ما بعد هذا إلّا خير ومضينا إلى الأبلّة وبتنا وعرّفنا الناس .
فلما أصبحنا رجعنا إلى القصر وإذا الناس مقبلون من كل وجه إلى الجنازة كأنما نودي في البصرة حتى خرج القضاة والعدول وغيرهم ، وإذا الجندي يمشي خلف الجنازة حافيا حاسرا حتى دفن .
فلما همّ الناس بالانصراف قال الجندي للقاضي والشهود : اشهدوا أنّ كلّ جارية لي حرّة لوجه اللّه تعالى وكلّ ضياعي وعقاري حبس في سبيل اللّه وفي صندوق لي أربعة آلاف دينار وهي في سبيل اللّه .